فصل: تفسير الآيات رقم (22- 50)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: في ظلال القرآن ***


سورة النحل

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 21‏]‏

‏{‏أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ‏(‏1‏)‏ يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ ‏(‏2‏)‏ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ‏(‏3‏)‏ خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ ‏(‏4‏)‏ وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ ‏(‏5‏)‏ وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ ‏(‏6‏)‏ وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ ‏(‏7‏)‏ وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ ‏(‏8‏)‏ وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ ‏(‏9‏)‏ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ ‏(‏10‏)‏ يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ‏(‏11‏)‏ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ‏(‏12‏)‏ وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ ‏(‏13‏)‏ وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ‏(‏14‏)‏ وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ‏(‏15‏)‏ وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ ‏(‏16‏)‏ أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ‏(‏17‏)‏ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ‏(‏18‏)‏ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ ‏(‏19‏)‏ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ ‏(‏20‏)‏ أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ ‏(‏21‏)‏‏}‏

هذه السورة هادئة الإيقاع، عادية الجرس؛ ولكنها مليئة حافلة‏.‏ موضوعاتها الرئيسية كثيرة منوعة؛ والإطار الذي تعرض فيه واسع شامل؛ والأوتار التي توقع عليها متعددة مؤثرة، والظلال التي تلونها عميقة الخطوط‏.‏

وهي كسائر السور المكية تعالج موضوعات العقيدة الكبرى‏:‏ الألوهية‏.‏ والوحي‏.‏ والبعث‏.‏ ولكنها تلم بموضوعات جانبية أخرى تتعلق بتلك الموضوعات الرئيسية‏.‏ تلم بحقيقة الوحدانية الكبرى التي تصل بين دين إبراهيم عليه السلام ودين محمد صلى الله عليه وسلم وتلم بحقيقة الإرادة الإلهية والإرادة البشرية فيما يختص بالإيمان والكفر والهدى والضلال‏.‏ وتلم بوظيفة الرسل، وسنة الله في المكذبين لهم‏.‏ وتلم بموضوع التحليل والتحريم وأوهام الوثنية حول هذا الموضوع‏.‏ وتلم بالهجرة في سبيل الله، وفتنة المسلمين في دينهم، والكفر بعد الإيمان وجزاء هذا كله عند الله‏.‏‏.‏ ثم تضيف إلى موضوعات العقيدة موضوعات المعاملة‏:‏ العدل والإحسان والإنفاق والوفاء بالعهد، وغيرها من موضوعات السلوك القائم على العقيدة‏.‏‏.‏ وهكذا هي مليئة حافلة من ناحية الموضوعات التي تعالجها‏.‏

فأما الإطار الذي تعرض فيه هذه الموضوعات، والمجال الذي تجري فيه الأحداث، فهو فسيح شامل‏.‏‏.‏ هو السماوات والأرض‏.‏ والماء الهاطل والشجر النامي‏.‏ والليل والنهار والشمس والقمر والنجوم‏.‏ والبحار والجبال والمعالم والسبل والأنهار‏.‏ وهو الدنيا بأحداثها ومصائرها، والأخرى بأقدارها ومشاهدها‏.‏ وهو الغيب بألوانه وأعماقه في الأنفس والآفاق‏.‏

في هذا المجال الفسيح يبدو سياق السورة وكأنه حملة ضخمة للتوجيه والتأثير واستجاشة العقل والضمير‏.‏ حملة هادئة الإيقاع، ولكنها متعددة الأوتار‏.‏ ليست في جلجلة الأنعام والرعد، ولكنها في هدوئها تخاطب كل حاسة وكل جارحة في الكيان البشري، وتتجه إلى العقل الواعي كما تتجه إلى الوجدان الحساس‏.‏ إنها تخاطب العين لترى، والأذن لتسمع، واللمس ليستشعر، والوجدان ليتأثر، والعقل ليتدبر‏.‏ وتحشد الكون كله‏:‏ سماءه وأرضه، وشمسه وقمره، وليله ونهاره، وجباله وبحاره وفجاجه وأنهاره وظلاله وأكنانه نبته وثماره، وحيوانه وطيوره‏.‏ كما تحشد دنياه وآخرته، وأسراره وغيوبه‏.‏‏.‏ كلها أدوات توقع بها على أوتار الحواس والجوارح والعقول والقلوب، مختلف الإيقاعات التي لا يصمد لها فلا يتأثر بها إلا العقل المغلق والقلب الميت، والحس المطموس‏.‏

هذه الإيقاعات تتناول التوجيه إلى آيات الله في الكون، وآلائه على الناس كما تتناول مشاهد القيامة، وصور الاحتضار، ومصارع الغابرين؛ تصاحبها اللمسات الوجدانية التي تتدسس إلى أسرار الأنفس، وإلى أحوال البشر وهم أجنة في البطون، وهم في الشباب والهرم والشيخوخة، وهم في حالات الضعف والقوة، وهم في أحوال النعمة والنقمة‏.‏ كذلك يتخذ الأمثال والمشاهد والحوار والقصص الخفيف أدوات للعرض والإيضاح‏.‏

فأما الظلال العميقة التي تلون جو السورة كله فهي الآيات الكونية تتجلى فيها عظمة الخلق، وعظمة النعمة، وعظمة العلم والتدبير‏.‏

‏.‏ كلها متداخلة‏.‏‏.‏ فهذا الخلق الهائل العظيم المدبر عن علم وتقدير، ملحوظ فيه أن يكون نعمة على البشر، لا تلبي ضروراتهم وحدها، ولكن تلبي أشواقهم كذلك، فتسد الضرورة‏.‏ وتتخذ للزينة، وترتاح بها أبدانهم وتستروح لها نفوسهم، لعلهم يشكرون‏.‏‏.‏

ومن ثم تتراءى في السورة ظلال النعمة وظلال الشكر، والتوجيهات إليها، والتعقيب بها في مقاطع السورة، وتضرب عليها الأمثال، وتعرض لها النماذج، وأظهرها نموذج إبراهيم ‏{‏شاكراً لأنعمه اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم‏}‏ كل أولئك في تناسق ملحوظ بين الصور والظلال والعبارات والإيقاعات، والقضايا والموضوعات نرجو أن نقف على نماذج منه في أثناء استعراضنا للسياق‏.‏

ونبدأ الشوط الأول، وموضوعه هو التوحيد؛ وأدواته هي آيات الله في الخلق، وأياديه في النعمة، وعلمه الشامل في السر والعلانية، والدنيا والآخرة‏.‏ فلنأخذ في التفصيل‏:‏

‏{‏أتى أمر الله فلا تستعجلوه سبحانه وتعالى عما يشركون‏.‏ ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده‏:‏ أن أنذروا أنه لا إله إلا أنا فاتقون‏}‏‏.‏‏.‏

لقد كان مشركوا مكة يستعجلون الرسول صلى الله عليه وسلم أن يأتيهم بعذاب الدنيا أو عذاب الآخرة‏.‏ وكلما امتد بهم الأجل ولم ينزل بهم العذاب زادوا استعجالاً، وزادوا استهزاء، وزادوا استهتارا؛ وحسبوا أن محمد يخوفهم ما لا وجود له ولا حقيقة، ليؤمنوا له ويستسلموا‏.‏ ولم يدركوا حكمة الله في إمهالهم ورحمته في أنظارهم؛ ولم يحاولوا تدبر آياته في الكون، وآياته في القرآن‏.‏ هذه الآيات التي تخاطب العقول والقلوب، خيرا من خطابها بالعذاب‏!‏ والتي تليق بالإنسان الذي أكرمه الله بالعقل والشعور، وحرية الإرادة والتفكير‏.‏

وجاء مطلع السورة حاسماً جازماً‏:‏ ‏{‏أتى أمر الله‏}‏‏.‏‏.‏ يوحي بصدور الأمر وتوجه الإرادة؛ وهذا يكفي لتحققه في الموعد الذي قدره الله لوقوعه ‏{‏فلا تستعجلوه‏}‏ فإن سنة الله تمضي وفق مشيئته، لا يقدمها استعجال‏.‏ ولا يؤخرها رجاء‏.‏ فأمر الله بالعذاب أو بالساعة قد قضي وانتهى، أما وقوعه ونفاذه فسيكون في حينه المقدر، لا يستقدم ساعة ولا يتأخر‏.‏

وهذه الصيغة الحاسمة الجازمة ذات وقع في النفس مهما تتماسك أو تكابر، وذلك فوق مطابقتها لحقيقة الواقع؛ فامر الله لا بد واقع، ومجرد قضائه يعد في حكم نفاذه، ويتحقق به وجوده، فلا مبالغة في الصيغة ولا مجانبة للحقيقة، في الوقت الذي تؤدي غايتها من التأثر العميق في الشعور‏.‏

فأما ما هم عليه من شرك بالله الواحد، وتصورات مستمدة من هذا الشرك فقد تنزه الله عنه وتعالى‏:‏ ‏{‏سبحانه وتعالى عما يشركون‏}‏ بكل صوره وأشكاله، الناشئة عن هبوط في التصور والتفكير‏.‏

أتى أمر الله المنزه عن الشرك المتعالي عما يشركون‏.‏ الله الذي لا يدع الناس إلى ضلالهم وأوهامهم إنما هو ينزل عليهم من السماء ما يحييهم وينجيهم‏:‏ ‏{‏ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده‏}‏‏.‏

‏.‏ وهذا أولى نعمه وكبراها‏.‏ فهو لا ينزل من السماء ماء يحيي الأرض والأجسام وحدها كما سيجيء إنما ينزل الملائكة بالروح من أمره‏.‏ وللتعبير بالروح ظله ومعناه‏.‏ فهو حياة ومبعث حياة‏:‏ حياة في النفوس والضمائر والعقول والمشاعر‏.‏ وحياة في المجتمع تحفظه من الفساد والتحلل والانهيار‏.‏ وهو أول ما ينزله الله من السماء للناس، وأول النعم التي يمن الله بها على العباد‏.‏ تنزل به الملائكة أطهر خلق الله على المختارين من عباده الأنبياء خلاصته وفحواه‏:‏ ‏{‏أن أنذروا أنه لا إله إلا أنا فاتقون‏.‏‏}‏

إنها الوحدانية في الألوهية‏.‏ روح العقيدة‏.‏ وحياة النفس‏.‏ ومفرق الطريق بين الاتجاه المحيي والاتجاه المدمر‏.‏ فالنفس التي لا توحد المعبود نفس حائرة هالكة تتجاذبها السبل وتخايل لها الأوهام وتمزقها التصورات المتناقضة، وتناوشها الوساوس، فلا تنطلق مجتمعة لهدف من الأهداف‏!‏

والتعبير بالروح يشمل هذه المعاني كلها ويشير إليها في مطلع السورة المشتملة على شتى النعم، فيصدر بها نعمه جميعا؛ وهي النعمة الكبرى التي لا قيمة لغيرها بدونها؛ ولا تحسن النفس البشرية الانتفاع بنعم الأرض كلها إن لم توهب نعمة العقيدة التي تحييها‏.‏

ويفرد الإنذار، فيجعله فحوى الوحي والرسالة، لأن معظم سياق السورة يدور حول المكذبين والمشركين والجاحدين لنعمة الله، والمحرمين ما أحله الله، والناقضين لعهد الله، والمرتدين عن الإيمان ومن ثم يكون إظهار الإنذار أليق في هذا السياق‏.‏ وتكون الدعوة إلى التقوى والحذر والخوف أولى في هذا المقام‏.‏

ثم يأخذ في عرض الآيات‏.‏ آيات الخلق الدالة على وحدانية الخالق؛ وآيات النعمة الدالة على وحدانية المنعم؛ يعرضها فوجا فوجا، ومجموعة مجموعة‏.‏ بادئاً بخلق السماوات والأرض وخلق الإنسان‏.‏

‏{‏خلق السماوات والأرض بالحق، تعالى عما يشركون‏.‏ خلق الإنسان من نطفة فإذا هو خصيم مبين‏}‏

‏{‏خلق السماوات والأرض بالحق‏}‏‏.‏‏.‏ الحق قوام خلقهما، والحق قوام تدبيرهما، والحق عنصر أصيل في تصريفهما وتصريف من فيهما وما فيهما‏.‏ فما شيء من ذلك كله عبث ولا جزاف‏.‏ إنما كل شيء قائم على الحق ومتلبس به ومفض له وصائر في النهاية إليه‏.‏‏.‏ ‏{‏تعالى عما يشركون‏}‏‏.‏‏.‏ تعالى عن شركهم، وتعالى عما يشركون به من خلق الله الذي خلق السماوات والأرض، وخلق من فيهما وما فيهما، فليس أحد وليس شيء شريكاً له وهو الخالق الواحد بلا شريك‏.‏

‏{‏خلق الإنسان من نطفة فإذا هو خصيم مبين‏}‏ ويا لها من نقلة ضخمة بين المبدأ والمصير‏.‏ بين النطفة الساذجة والإنسان المخاصم المجادل الذي يخاصم خالقه فيكفر به ويجادل في وجوده أو في وحدانيته‏.‏ وليس بين مبدئه من نطفة وصيرورته إلى الجدل والخصومة فارق ولا مهلة‏.‏ فهكذا يصوره التعبير، ويختصر المسافة بين المبدأ والمصير، لتبدو المفارقة كاملة، والنقلة بعيدة، ويقف الإنسان بين مشهدين وعهدين متواجهين‏:‏ مشهد النطفة المهينة الساذجة، ومشهد الإنسان الخصيم المبين‏.‏

‏.‏ وهو إيجاز مقصود في تصوير‏.‏

وفي هذا المجال الواسع مجال الكون‏:‏ السماوات والأرض الذي يقف فيه الإنسان، يأخذ السياق في استعراض خلق الله الذي سخره للإنسان، ويبدأ بالأنعام‏:‏

‏{‏والأنعام خلقها، لكم فيها دفء ومنافع، ومنها تأكلون‏.‏ ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون، وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس، إن ربكم لرؤوف رحيم، والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة، ويخلق ما لا تعلمون‏}‏‏.‏‏.‏

وفي بيئة كالبيئة التي نزل فيها القرآن أول مرة، وأشباهها كثير؛ وفي كل بيئة زراعية والبيئات الزراعية هي الغالبة حتى اليوم في العالم‏.‏‏.‏ في هذه البيئة تبرز نعمة الأنعام، التي لا حياة بدونها لبني الإنسان‏.‏ والأنعام المتعارف عليها في الجزيرة كانت هي الإبل والبقر والضأن والمعز‏.‏ أما الخيل والبغال والحمير فللركوب والزينة ولا تؤكل والقرآن إذ يعرض هذه النعمة هنا ينبه إلى ما فيها من تلبية لضرورات البشر وتلبية لأشواقهم كذلك‏:‏ ففي الأنعام دفء من الجلود والأصواف والأوبار والأشعار، ومنافع في هذه وفي اللبن واللحم وما إليها‏.‏ ومنها تأكلون لحماً ولبناً وسمناً، وفي حمل الأثقال إلى البلد البعيد لا يبلغونه إلا بشق الأنفس‏.‏ وفيها كذلك جمال عند الإراحة في المساء وعند السرح في الصباح‏.‏ جمال الاستمتاع بمنظرها فارهة رائعة صحيحة سمينة‏.‏ وأهل الريف يدركون هذا المعنى بأعماق نفوسهم ومشاعرهم أكثر مما يدركه أهل المدينة‏.‏

وفي الخيل والبغال والحمير تلبية للضرورة في الركوب‏.‏ وتلبية لحاسة الجمال في الزينة‏:‏ ‏{‏لتركبوها وزينة‏}‏‏.‏

وهذه اللفتة لها قيمتها في بيان نظرة القرآن ونظرة الإسلام للحياة‏.‏ فالجمال عنصر أصيل في هذه النظرة وليست النعمة هي مجرد تلبية الضرورات من طعام وشراب وركوب؛ بل تلبية الأشواق الزائدة على الضرورات‏.‏ تلبية حاسة الجمال ووجدان الفرح والشعور الإنساني المرتفع على ميل الحيوان وحاجة الحيوان‏.‏

‏{‏إن ربكم لرؤوف رحيم‏}‏ يعقب بها على حمل الأثقال إلى بلد لم يكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس توجيها إلى ما في خلق الأنعام من نعمة، وما في هذه النعمة من رحمة‏.‏

‏{‏ويخلق ما لا تعلمون‏}‏‏.‏‏.‏ يعقب بها على خلق الأنعام للأكل والحمل والجمال، وخلق الخيل والبغال والحمير للركوب والزينة‏.‏‏.‏ ليظل المجال مفتوحاً في التصور البشري لتقبل أنماط جديدة من أدوات الحمل والنقل والركوب والزينة، فلا يغلق تصورهم خارج حدود البيئة، وخارج حدود الزمان الذي يظلهم‏.‏ فوراء الموجود في كل مكان وزمان صور أخرى، يريد الله للناس أن يتوقعوا فيتسع تصورهم وإدراكهم، ويريد لهم أن يأنسوا بها حين توجد أو حين تكشف فلا يعادوها ولا يجمدوا دون استخدامها والانتفاع بها‏.‏ ولا يقولوا‏:‏ إنما استخدم آباؤنا الأنعام والخيل والبغال والحمير فلا نستخدم سواها‏.‏

وإنما نص القرآني على هذه الأصناف فلا نستخدم ما عداها‏!‏‏.‏

إن الإسلام عقيدة مفتوحة مرنة قابلة لاستقبال طاقات الحياة كلها، ومقدرات الحياة كلها ومن ثم يهيِّئ القرآن الأذهان والقلوب لاستقبال كل ما تتمخض عنه القدرة، ويتمخض عنه العلم، ويتمخض عنه المستقبل‏.‏ استقباله بالوجدان الديني المتفتح المستعد لتلقي كل جديد في عجائب الخلق والعلم والحياة‏.‏

ولقد جدت وسائل للحمل والنقل والركوب والزينة لم يعلمها أهل ذلك الزمان‏.‏ وستجد وسائل أخرى لا يعلمها أهل هذا الزمان‏.‏ والقرآن يهيِّئ لها القلوب والأذهان، بلا جمود ولا تحجر ‏{‏ويخلق ما لا تعلمون‏}‏‏.‏‏.‏

وفي معرض النقل والحمل والركوب والسير لبلوغ غايات محسوسة في عالم الأرض، يدخل السياق غايات معنوية وسيرا معنوياً وطرقا معنوية‏.‏ فثمة الطريق إلى الله‏.‏ وهو طريق قاصد مستقيم لا يلتوي ولا يتجاوز الغاية‏.‏ وثمة طرق أخرى لا توصل ولا تهدي‏.‏ فأما الطريق إلى الله فقد كتب على نفسه كشفها وبيانها‏:‏ بآياته في الكون وبرسله إلى الناس‏:‏

‏{‏وعلى الله قصد السبيل‏.‏ ومنها جائر‏.‏ ولو شاء لهداكم أجمعين‏}‏‏.‏‏.‏

والسبيل القاصد هو الطريق المستقيم الذي لا يلتوي كأنه يقصد إلى غايته فلا يحيد عنها‏.‏ والسبيل الجائر هو السبيل المنحرف المجاوز للغاية لا يوصل إليها، أو لا يقف عندها‏!‏

‏{‏ولو شاء لهداكم أجمعين‏}‏‏.‏‏.‏ ولكنه شاء أن يخلق الإنسان مستعداً للهدى والضلال، وأن يدع لإرادته اختيار طريق الهدى أو طريق الضلال‏.‏ فكان منهم من يسلك السبيل القاصد، ومنهم من يسلك السبيل الجائر‏.‏ وكلاهما لا يخرج على مشيئه الله، التي قضت بأن تدع للإنسان حرية الاختيار‏.‏

والفوج الثاني من آيات الخلق والنعمة‏:‏

‏{‏هو الذي أنزل من السماء ماء لكم منه شراب، ومنه شجر فيه تسيمون، ينبت لكم به الزرع والزيتون والنخيل والأعناب، ومن كل الثمرات‏.‏ إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون‏}‏‏.‏‏.‏

والماء ينزل من السماء وفق النواميس التي خلقها الله في هذا الكون، والتي تدبر حركاته، وتنشئ نتائجها وفق إرادة الخالق وتدبيره، بقدر خاص من أقداره ينشئ كل حركة وكل نتيجة‏.‏ هذا الماء يذكر هنا نعمة من نعم الله ‏{‏لكم منه شراب‏}‏ فهي خصوصية الشراب التي تبرز في هذا المجال ثم خصوصية المرعى ‏{‏ومنه شجر فيه تسيمون‏}‏ وهي المراعي التي تربون فيها السوائم‏.‏ ذلك بمناسبة ذكر الأنعام قبلها وتنسيقاً للجو العام بين المراعي والأنعام‏.‏ ثم الزروع التي يأكل منها الإنسان مع الزيتون والنخيل والأعناب وغيرها من أشجار الثمار‏.‏‏.‏

‏{‏إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون‏}‏‏.‏‏.‏ في تدبير الله لهذا الكون، ونواميسه المواتية لحياة البشر، وما كان الإنسان ليستطيع الحياة على هذا الكوكب لو لم تكن نواميس الكون مواتية لحياته، موافقة لفطرته، ملبية لحاجاته‏.‏ وما هي بالمصادفة العابرة أن يخلق الإنسان في هذا الكوكب الأرضي، وأن تكون النسب بين هذا الكوكب وغيره من النجوم والكواكب هي هذه النسب، وأن تكون الظواهر الجوية والفلكية على ما هي عليه، ممكنة للإنسان من الحياة، ملبية هكذا لحاجاته على النحو الذي نراه‏.‏

والذين يتفكرون هم الذين يدركون حكمة التدبير، وهم الذين يربطون بين ظاهرة كظاهرة المطر وما ينشئه على الأرض من حياة وشجر وزروع وثمار، وبين النواميس العليا للوجود، ودلالتها على الخالق وعلى وحدانية ذاته ووحدانية إرادته ووحدانية تدبيره‏.‏ أما الغافلون فيمرون على مثل هذه الآية في الصباح والمساء، في الصيف والشتاء، فلا توقظ تطلعهم، ولا تثير استطلاعهم ولا تستجيش ضمائرهم إلى البحث عن صاحب هذا النظام الفريد‏.‏

والفوج الثالث من أفواج الآيات‏:‏

‏{‏وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر، والنجوم مسخرات بأمره‏.‏ إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون‏}‏‏.‏‏.‏

ومن مظاهر التدبير في الخلق، وظواهر النعمة على البشر في آن‏:‏ الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم‏.‏ فكلها مما يلبي حاجة الإنسان في الأرض‏.‏ وهي لم تخلق له ولكنها مسخرة لمنفعته‏.‏ فظاهرة الليل والنهار ذات أثر حاسم في حياة هذا المخلوق البشري‏.‏ ومن شاء فليتصور نهارا بلا ليل أو ليلا بلا نهار، ثم يتصور مع هذا حياة الإنسان والحيوان والنبات في هذه الأرض كيف تكون‏.‏

كذلك الشمس والقمر‏.‏ وعلاقتهما بالحياة على الكوكب الأرضي، وعلاقة الحياة بهما في أصلها وفي نموها، ‏{‏والنجوم مسخرات بأمره‏}‏ للإنسان ولغير الإنسان مما يعلم الله‏.‏‏.‏

وكل أولئك طرف من حكمة التدبير، وتناسق النواميس في الكون كله، يدركه أصحاب العقول التي تتدبر وتعقل وتدرك ما وراء الظواهر من سنن وقوانين‏:‏ ‏{‏إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون‏}‏‏.‏‏.‏

والفوج الرابع من أفواج النعمة فيما خلق الله للإنسان‏:‏

‏{‏وما ذرأ لكم في الأرض مختلفاً ألوانه‏.‏ إن في ذلك لآية لقوم يذكرون‏}‏‏.‏‏.‏

وما خلق الله في الأرض وما أودع فيها للبشر من مختلف المعادن التي تقوم بها حياتهم في بعض الجهات وفي بعض الأزمان‏.‏ ونظرة إلى هذه الذخائر المخبوءة في الارض، المودعة للناس حتى يبلغوا رشدهم يوماً بعد يوم، ويستخرجوا كنوزهم في حينها ووقت الحاجة إليها‏.‏ وكلما قيل‏:‏ إن كنزا منها قد نفد أعقبه كنز آخر غني، من رزق الله المدخر للعباد‏.‏‏.‏ ‏{‏إن في ذلك لآية لقوم يذكرون‏}‏ ولا ينسون أن يد القدرة هي التي خبأت لهم هذه الكنوز‏.‏

والفوج الخامس من أفواج الخلق والأنعام في البحر الملح الذي لا يشرب ولا يسقي، ولكنه يشتمل على صنوف من آلاء الله على الإنسان‏:‏

‏{‏وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحماً طرياً، وتستخرجوا منه حلية تلبسونها، وترى الفلك مواخر فيه، ولتبتغوا من فضله، ولعلكم تشكرون‏}‏‏.‏‏.‏

ونعمة البحر وأحيائه تلبي كذلك ضرورات الإنسان وأشواقه‏.‏

فمنه اللحم الطري من السمك وغيره للطعام‏.‏ وإلى جواره الحلية من اللؤلؤ ومن المرجان، وغيرهما من الأصداف والقواقع التي يتحلى بها أقوام ما يزالون حتى الآن‏.‏ والتعبير كذلك عن الفلك يشي بتلبية حاسة الجمال لا بمجرد الركوب والانتقال‏:‏ ‏{‏وترى الفلك مواخر فيه‏}‏ فهي لفتة إلى متاع الرؤية وروعتها‏:‏ رؤية الفلك ‏{‏مواخر‏}‏ تشق الماء وتفرق العباب‏.‏‏.‏ ومرة اخرى نجد أنفسنا أمام التوجيه القرآني العالي إلى الجمال في مظاهر الكون، بجانب الضرورة والحاجة، لنتملى هذا الجمال ونستمتع به، ولا نحبس أنفسنا داخل حدود الضرورات والحاجات‏.‏

كذلك يوجهنا السياق أمام مشهد البحر والفلك تشق عبابه إلى ابتغاء فضل الله ورزقه، وإلى شكره على ما سخر من طعام والزينة والجمال في ذلك الملح الأجاج‏:‏ ‏{‏ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون‏}‏‏.‏

والفوج الأخير في هذا المقطع من السورة‏:‏

‏{‏وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم، وأنهاراً وسبلا لعلكم تهتدون‏.‏ وعلامات وبالنجم هم يهتدون‏}‏‏.‏

فأما الجبال الرواسي فالعلم الحديث يعلل وجودها ولكنه لا يذكر وظيفتها التي يذكرها القرآن هنا‏.‏ يعلل وجودها بنظريات كثيرة متعارضة أهمها أن جوف الأرض الملتهب يبرد فينكمش، فتتقلص القشرة الأرضية من فوقه وتتجعد فتكون الجبال والمرتفعات والمنخفضات‏.‏ ولكن القرآن يذكر أنها تحفظ توازن الأرض‏.‏ وهذه الوظيفة لم يتعرض لها العلم الحديث‏.‏

وفي مقابل الجبال الرواسي يوجه النظر إلى الأنهار الجواري، والسبل السوالك‏.‏ والأنهار ذات علاقة طبيعية في المشهد بالجبال، ففي الجبال في الغالب تكون منافع الأنهار؛ حيث مساقط الأمطار‏.‏ والسبل ذات علاقة بالجبال والأنهار‏.‏ وذات علاقة كذلك بجو الأنعام والأحمال والانتقال‏.‏ وإلى جوار ذلك معالم الطرق التي يهتدي بها السالكون في الأرض من جبال ومرتفعات ومنفرجات، وفي السماء من النجم الذي يهدي السالكين في البر والبحر سواء‏.‏

وعندما ينتهي استعراض آيات الخلق، وآيات النعمة، وآيات التدبير في هذا المقطع من السورة يعقب السياق عليه بما سيق هذا الاستعراض من أجله‏.‏ فقد ساقه في صدد قضية التعريف بالله سبحانه وتوحيده وتنزيهه عما يشركون‏:‏

‏{‏أفمن يخلق كمن لا يخلق‏؟‏ أفلا تذكرون‏؟‏ وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الله لغفور رحيم‏.‏ والله يعلم ما تسرون وما تعلنون، والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئا وهم يخلقون، أموات غير أحياء وما يشعرون أيان يبعثون‏}‏‏.‏‏.‏

وهو تعقيب يجيء في أوانه، والنفس متهيئة للإقرار بمضمونه‏:‏ ‏{‏أفمن يخلق كمن لا يخلق‏؟‏‏}‏‏.‏‏.‏ فهل هنالك إلا جواب واحد‏:‏ لا‏.‏ وكلا‏:‏ أفيجوز أن يسوي إنسان في حسه وتقديره‏.‏‏.‏ بين من يخلق ذلك الخلق كله، ومن لا يخلق لا كبيرا ولا صغيراً‏؟‏ ‏{‏أفلا تذكرون‏}‏ فما يحتاج الأمر إلى أكثر من التذكر، فيتضح الأمر ويتجلى اليقين‏.‏

ولقد استعرض ألوانا من النعمة‏.‏ فهو يعقب عليها‏:‏ ‏{‏وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها‏}‏‏.‏‏.‏ فضلاً على أن تشكروها‏.‏ وأكثر النعم لا يدريها الإنسان، لأنه يألفها فلا يشعر بها إلا حين يفتقدها‏.‏‏.‏ وهذا تركيب جسده ووظائفه متى يشعر بما فيه من إنعام إلا حين يدركه المرض فيحس بالاختلال‏؟‏ إنما يسعه غفران الله للتقصير ورحمته بالإنسان الضعيف ‏{‏إن الله لغفور رحيم‏}‏‏.‏‏.‏

والخالق يعلم ما خلق‏.‏ يعلم الخافي والظاهر‏:‏ ‏{‏والله يعلم ما تسرون وما تعلنون‏}‏ فكيف يسوونه في حسهم وتقديرهم بتلك الآلهة المدعاة وهم لا يخلقون شيئا ولا يعلمون شيئا، بل إنهم لأموات غير قابلين للحياة على الإطلاق‏.‏ ومن ثم فهم لا يشعرون‏:‏

‏{‏والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئا وهم يخلقون‏.‏ أموات غير أحياء وما يشعرون أيان يبعثون‏}‏‏.‏‏.‏

والإشارة هنا إلى البعث وموعده فيها تقرير أن الخالق لا بد أن يعلم موعد البعث‏.‏ لأن البعث تكملة للخلق‏.‏ وعنده يستوفي الأحياء جزاءهم على ما قدموا‏.‏ فالآلهة التي لا تعلم متى يبعث عبادها هي آلهة لا تستحق التأليه، بل هي سخرية الساخرين‏.‏ فالخالق يبعث مخاليقه ويعلم متى يبعثهم على التحقيق‏!‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏22- 50‏]‏

‏{‏إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ ‏(‏22‏)‏ لَا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ ‏(‏23‏)‏ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ ‏(‏24‏)‏ لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ ‏(‏25‏)‏ قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ ‏(‏26‏)‏ ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُخْزِيهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ قَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكَافِرِينَ ‏(‏27‏)‏ الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلَى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ‏(‏28‏)‏ فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ ‏(‏29‏)‏ وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الْآَخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ ‏(‏30‏)‏ جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ ‏(‏31‏)‏ الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ‏(‏32‏)‏ هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ‏(‏33‏)‏ فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ‏(‏34‏)‏ وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آَبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ ‏(‏35‏)‏ وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ‏(‏36‏)‏ إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ ‏(‏37‏)‏ وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ‏(‏38‏)‏ لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ ‏(‏39‏)‏ إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ‏(‏40‏)‏ وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآَخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ‏(‏41‏)‏ الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ‏(‏42‏)‏ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ‏(‏43‏)‏ بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ‏(‏44‏)‏ أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ ‏(‏45‏)‏ أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ ‏(‏46‏)‏ أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ ‏(‏47‏)‏ أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ ‏(‏48‏)‏ وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ ‏(‏49‏)‏ يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ‏(‏50‏)‏‏}‏

وقفنا في الدرس السابق عند استعراض آيات الخالق في خلقه، وفي نعمته على عباده، وفي علمه بالسر والعلن‏.‏‏.‏ بينما الآلهة المدعاة، لا تخلق شيئا، بل هي مخلوقة‏.‏ ولا تعلم شيئا، بل هي ميتة لا تنتظر لها حياة‏.‏ وهي لا تعلم متى يبعث عبادها للجزاء‏!‏ وهذا وذلك قاطع في بطلان عبادتها، وفي بطلان عقيدة الشرك كافة‏.‏‏.‏ وكان هذا هو الشوط الأول في قضية التوحيد في السورة مع إشارة إلى قضية البعث أيضا‏.‏

وها نحن أولاء نبدأ في الدرس الجديد من حيث انتهينا في الدرس السابق‏.‏ نبدأ شوطا جديدا، يفتتح بتقرير وحدة الألوهية، ويعلل عدم إيمان الذين لا يؤمنون بالآخرة بأن قلوبهم منكرة، فالجحود صفة كامنة فيها تصدهم عن الإقرار بالآيات البينات، وهم مستكبرون، فالاستكبار يصدهم عن الإذعان والتسليم‏.‏‏.‏ ويختم بمشهد مؤثر‏:‏ مشهد الظلال في الأرض كلها ساجدة لله، ومعها ما في السماوات وما في الأرض من دابة، والملائكة، قد برئت نفوسهم من الاستكبار، وامتلأت بالخوف من الله، والطاعة لأمره بلا جدال‏.‏‏.‏ هذا المشد الخاشع الطائع يقابل صورة المستكبرين المنكرة قلوبهم في مفتتح هذا الشوط الجديد‏.‏

وبين المطلع والختام يستعرض السياق مقولات أولئك المستكبرين المنكرين عن الوحي والقرآن إذ يزعمون أنه أساطير الأولين‏.‏ ومقولاتهم عن أسباب شركهم بالله وتحريمهم ما لم يحرمه الله، إذ يدعون أن الله أراد منهم الشر وارتضاه‏.‏ ومقولاتهم عن البعث والقيامة إذ يقسمون جهدهم لا يبعث الله من يموت‏.‏ ويتولى الرد على مقولاتهم جميعا‏.‏ ويعرض في ذلك مشاهد احتضارهم ومشاهد بعثهم وفيها يتبرأون من تلك المقولات الباطلة، كما يعرض بعض مصارع الغابرين من المكذبين أمثالهم، ويخوفهم أخذ الله في ساعة من ليل أو نهار وهم لا يشعرون، وهم في تقلبهم في البلاد، أو وهم على تخوف وتوقع وانتظار للعذاب‏.‏‏.‏ وإلى جوار هذا يعرض صورا من مقولات المتقين المؤمنين وما ينتظرهم عند الاحتضار ويوم البعث من طيب الجزاء‏.‏ وينتهي بذلك المشهد الخاشع الطائع للظلال والدواب والملائكة في الأرض والسماء‏.‏‏.‏

‏{‏إلهكم إله واحد‏.‏ فالذين لا يؤمنون بالآخرة قلوبهم منكرة وهم مستكبرون‏.‏ لا جرم أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون إنه لا يحب المستكبرين‏}‏‏.‏‏.‏

ويجمع السياق بين الإيمان بوحدة لله والإيمان بالآخرة‏.‏ بل يجعل إحداهما دالة على الأخرى لارتباط عبادة الله الواحد بعقيدة البعث والجزاء‏.‏ فبالآخرة تتم حكمة الخالق الواحد ويتجلى عدله في الجزاء‏.‏‏.‏

‏{‏إلهكم إله واحد‏}‏ وكل ما سبق في السورة من آيات الخلق وآيات النعمة وآيات العلم يؤدي إلى هذه الحقيقة الكبيرة البارزة، الواضحة الآثار في نواميس الكون وتناسقها وتعاونها كما سلف الحديث‏.‏

فالذين لا يسلمون بهذه الحقيقة، ولا يؤمنون بالآخرة وهي فرع عن الاعتقاد بوحدانية الخالق وحكمته وعدله هؤلاء لا تنقصهم الآيات ولا تنقصهم البراهين، إنما تكمن العلة في كيانهم وفي طباعهم‏.‏

إن قلوبهم منكرة جاحدة لا تقر بما ترى من الآيات، وهم مستكبرون لا يريدون التسليم بالبراهين والاستسلام لله والرسول‏.‏ فالعلة أصيلة والداء كامن في الطباع والقلوب‏!‏‏.‏

والله الذي خلقهم يعلم ذلك منهم‏.‏ فهو يعلم ما يسرون وما يعلنون‏.‏ يعلمه دون شك ولا ريب ويكرهه فيهم‏.‏ ‏{‏إنه لا يحب المستكبرين‏}‏ فالقلب المستكبر لا يرجى له أن يقتنع أو يسلم‏.‏ ومن ثم فهم مكروهون من الله لاستكبارهم الذي يعلمه من يعلم حقيقة أمرهم ويعلم ما يسرون وما يعلنون‏.‏

‏{‏وإذا قيل لهم‏:‏ ماذا أنزل ربكم‏؟‏ قالوا‏:‏ أساطير الأولين‏.‏ ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم، ألا ساء ما يزرون‏}‏‏.‏

هؤلاء المستكبرون ذوو القلوب المنكرة التي لا تقتنع ولا تستجيب إذا سئلوا ‏{‏ماذا أنزل ربكم‏؟‏‏}‏ لم يجيبوا الجواب الطبيعي المباشر، فيتلوا شيئا من القرآن أو يلخصوا فحواه، فيكونوا أمناء في النقل، ولو لم يعتقدوه‏.‏ إنما هم يعدلون عن الجواب الأمين فيقولون‏:‏ ‏{‏أساطير الأولين‏}‏ والأساطير هي الحكايات الوهمية الحافلة بالخرافة‏.‏‏.‏ وهكذا يصفون هذا القرآن الذي يعالج النفوس والعقول، ويعالج أوضاع الحياة وسلوك الناس وعلاقات المجتمع وأحوال البشر في الماضي والحاضر والمستقبل‏.‏ هكذا يصفونه لما يحويه من قصص الأولين‏.‏ وهكذا يؤدي بهم ذلك الإنكار والاستهتار إلى حمل ذنوبهم وشطر من ذنوب الذين يضلونهم بهذا القول، ويصدونهم عن القرآن والإيمان، وهم جاهلون به لا يعلمون حقيقته‏.‏‏.‏ ويصور التعبير هذه الذنوب أحمالا ذات ثقل وساءت احمالاً وأثقالا‏!‏ فهي توقر النفوس كما توقر الأحمال الظهور، وهي تثقل القلوب، كما تثقل الأحمال العواتق، وهي تتعب وتشقي كما تتعب الأثقال حامليها بل هي أدهى وأنكى‏!‏

روى ابن أبي حاتم عن السدي قال‏:‏ «اجتمعت قريش، فقالوا‏:‏ إن محمداً رجل حلو اللسان، إذا كلمه الرجل ذهب بعقله، فانظروا ناسا من أشرافكم المعدودين المعروفة أنسابهم، فابعثوا في كل طريق من طرق مكة على رأس ليلة أو ليلتين، فمن جاء يريده فردوه عنه‏.‏ فخرج ناس في كل طريق فكان إذا اقبل الرجل وافدا لقومه ينظر ما يقول محمد، ووصل إليهم، قال أحدهم‏:‏ انا فلان ابن فلان‏.‏ فيعرفه نسبه، ويقول له‏:‏ أنا أخبرك عن محمد‏.‏ إنه رجل كذاب لم يتبعه على أمره إلا السفهاء والعبيد ومن لا خير فيهم، وأما شيوخ قومه وخيارهم فمفارقون له‏.‏ فيرجع الوافد‏.‏ فذلك قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إذا قيل لهم‏:‏ ماذا أنزل ربكم‏؟‏ قالوا‏:‏ أساطير الأولين‏}‏‏.‏ فإن كان الوافد ممن عزم الله له الرشاد، فقالوا له مثل ذلك قال‏:‏ بئس الوافد لقومي إن كنت جئت حتى إذا بلغت مسيرة يوم رجعت قبل أن ألقى هذا الرجل، وانظر ما يقول وآتي قومي ببيان أمره‏.‏

فيدخل مكة، فيلقى المؤمنين فيسألهم ماذا يقول محمد‏؟‏ فيقولون‏:‏ خيراً‏.‏‏.‏‏.‏ «‏.‏

فقد كانت حرب دعاية منظمة يديرها قريش على الدعوة، ويديرها امثال قريش في كل زمان ومكان من المستكبرين الذين لا يريدون الخضوع للحق والبرهان، لأن استكبارهم يمنعهم من الخضوع للحق والبرهان‏.‏ فهؤلاء المستكبرون من قريش ليسوا أول من ينكر، وليسوا أول من يمكر‏.‏ والسياق يعرض عليهم نهاية الماكرين من قبلهم، ومصيرهم يوم القيامة، بل مصيرهم منذ مفارقة أرواحهم لأجسادهم حتى يلقوا في الآخرة جزاءهم‏.‏ يعرض عليهم هذا كله في مشاهد مصورة على طريقة القرآن المأثورة‏:‏

‏{‏قد مكر الذين من قبلهم‏.‏ فأتى الله بنيانهم من القواعد فخر عليهم السقف من فوقهم، وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون‏.‏ ثم يوم القيامة يخزيهم، ويقول‏:‏ أين شركائي الذين كنتم تشاقون فيهم‏؟‏ قال الذين أوتوا العلم‏:‏ إن الخزي اليوم والسوء على الكافرين، الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم، فألقوا السلم ما كنا نعمل من سوء‏.‏ بلى إن الله عليم بما كنتم تعملون‏.‏ فادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها، فلبئس مثوى المتكبرين‏}‏‏.‏

‏{‏قد مكر الذين من قبلهم‏}‏ والتعبير يصور هذا المكر في صورة بناء ذي قواعد وأركان وسقف إشارة إلى دقته وإحكامه ومتانته وضخامتة‏.‏ ولكن هذا كله لم يقف أمام قوة الله وتدبيره‏:‏ ‏{‏فأتى الله بنيانهم من القواعد، فَخَرَّ عليهم السقف من فوقهم‏}‏ وهو مشهد للتدمير الكامل الشامل، يطبق عليهم من فوقهم ومن تحت أرجلهم، فالقواعد التي تحمل البناء تحطم وتهدم من أساسها، والسقف يخر عليهم من فوقهم فيطبق عليهم ويدفنهم ‏{‏وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون‏}‏ فإذا البناء الذي بنوه وأحكموه واعتمدوا على الاحتماء فيه‏.‏ إذا هو مقبرتهم التي تحتويهم، ومهلكتهم التي تأخذهم من فوقهم ومن أسفل منهم‏.‏ وهو الذي اتخذوه للحماية ولم يفكروا أن يأتيهم الخطر من جهته‏!‏

إنه مشهد كامل للدمار والهلاك، وللسخرية من مكر الماكرين وتدبير المدبرين، الذين يقفون لدعوة الله، ويحسبون مكرهم لا يرد، وتدبيرهم لا يخيب، والله من ورائهم محيط‏!‏

وهو مشهد مكرر في الزمان قبل قريش وبعدها‏.‏ ودعوة الله ماضية في طريقها مهما يمكر الماكرون، ومهما يدبر المدبرون‏.‏ وبين الحين والحين يتلفت الناس فيذكرون ذلك المشهد المؤثر الذي رسمه القرآن الكريم‏:‏ ‏{‏فأتى الله بنيانهم من القواعد فَخَرَّ عليهم السقف من فوقهم، وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون‏}‏‏.‏

هذا في الدنيا، وفي واقع الأرض‏:‏ ‏{‏ثم يوم القيامة يخزيهم، ويقول‏:‏ اين شركائي الذين كنتم تشاقون فيهم‏؟‏‏}‏‏.‏

ويرتسم مشهد من مشاهد القيامة يقف فيه هؤلاء المستكبرون الماكرون موقف الخزي؛ وقد انتهى عهد الاستكبار والمكر‏.‏ وجاءوا إلى صاحب الخلق والأمر، يسألهم سؤال التبكيت والتأنيب‏:‏ ‏{‏أين شركائي الذين كنتم تشاقون فيهم‏؟‏‏}‏ أين شركائي الذين كنتم تخاصمون من أجلهم الرسول والمؤمنين، وتجادلون فيهم المقرين الموحدين‏؟‏‏.‏

ويسكت القوم من خزي، لتنطلق ألسنة الذين أوتوا العلم من الملائكة والرسل والمؤمنين وقد أذن الله لهم أن يكونوا في هذا اليوم متكلمين ظاهرين‏:‏ ‏{‏قال الذين أوتوا العلم‏:‏ إن الخزي اليوم والسوء على الكافرين‏}‏‏.‏‏.‏

‏{‏إن الخزي اليوم والسوء على الكافرين‏}‏‏.‏‏.‏ ‏{‏الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم‏}‏ فيعود السياق بهم خطوة قبل خطوة القيامة‏.‏ يعود بهم إلى ساعة الاحتضار، والملائكة تتوفاهم ظالمين لأنفسهم بما حرموها من الإيمان واليقين، وبما اوردوها موارد الهلاك، وبما قادوها في النهاية إلى النار والعذاب‏.‏

ويرسم مشهدهم في ساعة الاحتضار، وهم قريبو عهد بالأرض، وما لهم فيها من كذب ومكر وكيد‏:‏ ‏{‏فألقوا السلم ما كنا نعمل من سوء‏!‏‏}‏ ألقوا السلم‏.‏ هؤلاء المستكبرون‏.‏ فإذا هم مستسلمون لا يهمون بنزاع أو خصام، إنما يلقون السلم ويعرضون الاستسلام‏!‏ ثم يكذبون ولعله طرف من مكرهم في الدنيا فيقولون مستسلمين‏:‏ ‏{‏ما كنا نعمل من سوء‏}‏ ‏!‏ وهو مشهد مخز وموقف مهين لأولئك المستكبرين‏!‏

ويجيئهم الجواب‏:‏ ‏{‏بلى‏}‏ من العليم بما كان منهم ‏{‏إن الله عليم بما كنتم تعملون‏}‏ فلا سبيل إلى الكذب والمغالطة والتمويه‏.‏

ويجيئهم الجزاء جزاء المتكبرين‏:‏ ‏{‏فادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فلبئس مثوى المتكبرين‏}‏ ‏!‏

وعلى الجانب الأخر‏:‏ الذين اتقوا‏.‏‏.‏ يقابلون المنكرين المستكبرين في المبدأ والمصير‏:‏

‏{‏وقيل للذين اتقوا‏:‏ ماذا أنزل ربكم‏؟‏ قالوا‏:‏ خيراً‏.‏ للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة، ولدار الآخرة خير، ولنعم دار المتقين‏.‏ جنات عدن يدخلونها تجري من تحتها الأنهار، لهم فيها ما يشاءون، كذلك يجزي الله المتقين‏.‏ الذين تتوفاهم الملائكة طيبين، يقولون‏:‏ سلام عليكم، ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون‏}‏‏.‏‏.‏

إن المتقين يدركون أن الخير هو قوام هذه الدعوة، وقوام ما أنزل ربهم من أمر ونهي وتوجيه وتشريع‏.‏ فيلخصون الأمر كله في كلمة‏:‏ ‏{‏قالوا‏:‏ خيراً‏}‏ ثم يفصلون هذا الخير حسبما علموا مما أنزل الله‏:‏ ‏{‏للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة‏}‏ حياة حسنة ومتعة حسنة، ومكانة حسنة‏.‏ ‏{‏ولدار الآخرة خير‏}‏ من هذه الدار الدنيا ‏{‏ولنعم دار المتقين‏}‏‏.‏‏.‏ ثم يفصل ما أجمل‏.‏ عن هذه الدار‏.‏ فإذا هي ‏{‏جنات عدن‏}‏ للإقامة ‏{‏تجري من تحتها الأنهار‏}‏ رخاء‏.‏ ‏{‏لهم فيها ما يشاءون‏}‏ فلا حرمان ولا كد، ولا حدود للرزق كما هي الحياة الدنيا‏.‏‏.‏ ‏{‏كذلك يجزي الله المتقين‏}‏‏.‏

ثم يعود السياق خطوة بالمتقين كما عاد من قبلهم خطوة بالمستكبرين‏.‏ فإذا هم في مشهد الاحتضار وهو مشهد هين لين كريم‏:‏ ‏{‏الذين تتوفاهم الملائكة طيبين‏}‏ طيبة نفوسهم بلقاء الله، معافين من الكرب وعذاب الموت‏.‏ ‏{‏يقولون‏:‏ سلام عليكم‏}‏ طمأنة لقلوبهم وترحيباً بقدومهم ‏{‏ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون‏}‏ تعجيلاً لهم بالبشرى، وهم على عتاب الآخرة، جزاء وفاقاً على ما كانوا يعملون‏.‏

وفي ظل هذا المشهد بشقيه‏.‏ مشهد الاحتضار ومشهد البعث‏.‏ يعقب السياق بسؤال عن المشركين من قريش‏:‏ ماذا ينتظرون‏؟‏ أينتظرون الملائكة فتتوفاهم‏؟‏ أم ينتظرون أمر الله فيبعثهم‏.‏ وهذا ما ينتظرهم عند الوفاة، وما ينتظرهم يوم يبعثهم الله‏!‏ أو ليس في مصير المكذبين قبلهم وقد شهدوه ممثلاً في ذينك المشهدين عبرة وغناء‏:‏

‏{‏هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي أمر ربك‏؟‏ كذلك فعل الذين من قبلهم، وما ظلمهم الله، ولكن كانوا أنفسهم يظلمون‏.‏ فأصابهم سيئات ما عملوا، وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون‏}‏‏.‏‏.‏

وعجيب أمر الناس‏.‏ فإنهم يرون ما حل بمن قبلهم ممن يسلكون طريقهم، ثم يظلون سادرين في الطريق غير متصورين أن ما أصاب غيرهم يمكن أن يصيبهم، وغير مدركين أن سنة الله تمضي وفق ناموس مرسوم، وأن المقدمات تعطي دائما نتائجها، وأن الأعمال تلقى دائماً جزاءها، وأن سنة الله لن تحابيهم ولن تتوقف إزاءهم، ولن تحيد عن طريقهم‏.‏

‏{‏وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون‏}‏ فقد أتاهم الله حرية التدبر والتفكر والاختيار، وعرض عليهم آياته في الآفاق وفي أنفسهم، وحذرهم العاقبة، ووكلهم إلى عملهم وإلى سنته الجارية‏.‏ فما ظلمهم في مصيرهم المحتوم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون‏.‏

وما قسا عليهم في عقوبة، إنما قست عليهم أعمالهم، لأنهم أصيبوا بها أي بنتائجها الطبيعية وجرائرها‏:‏ ‏{‏فأصابهم سيئات ما عملوا، وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون‏}‏‏.‏‏.‏ ولهذا التعبير وأمثاله دلالة فإنهم لا يعاقبون بشيء خارج عن ثمرة أعمالهم الذاتية‏.‏ وإنهم ليصابون بجرائر سلوكهم التلقائية‏.‏ وهم ينتكسون إلى أدنى من رتبة البشرية بما يعملون، فيجازون بما هو أدنى من رتبة البشرية في دركات المقام المهين، والعذاب الأليم‏.‏

ومقولة جديدة من مقولات المشركين عن علة شركهم وملابساته‏:‏

‏{‏وقال الذين أشركوا‏:‏ لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء نحن ولا آباؤنا، ولا حرمنا من دونه من شيء‏.‏ كذلك فعل الذين من قبلهم‏.‏ فهل على الرسل إلا البلاغ المبين‏؟‏ ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت؛ فمنهم من هدى الله، ومنهم من حقت عليه الضلالة‏.‏ فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين‏}‏‏.‏‏.‏

إنهم يحيلون شركهم وعبادتهم آلهة من دون الله هم وآباؤهم، وأوهام الوثنية التي يزاولونها من تحريمهم لبعض الذبائح وبعض الأطعمة على أنفسهم بغير شريعة من الله‏.‏‏.‏ إنهم يحيلون هذا كله على إرادة الله ومشيئته‏.‏ فلو شاء الله في زعمهم ألا يفعلوا شيئاً من هذا لمنعهم من فعله‏.‏

وهذا وهم وخطأ في فهم معنى المشيئة الإلهية‏.‏ وتجريد للإنسان من أهم خصائصه التي وهبها له الله لاستخدامها في الحياة‏.‏

فالله سبحانه لا يريد لعباده الشرك، ولا يرضى لهم أن يحرموا ما أحله لهم من الطيبات‏.‏ وإرادته هذه ظاهرة منصوص عليها في شرائعه، على ألسنة الرسل الذين كلفوا التبليغ وحده فقاموا به وأدوه‏:‏ ‏{‏ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت‏}‏ فهذا أمره وهذه إرادته لعباده‏.‏ والله تعالى لا يأمر الناس بأمر يعلم أنه منعهم خلقة من القدرة عليه، أو دفعهم قسراً إلى مخالفته‏.‏ وآية عدم رضاه عن مخالفة أمره هذا ما أخذ به المكذبين ‏{‏فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين‏}‏‏.‏

إنما شاءت إرادة الخالق الحكيم أن يخلق البشر باستعداد للهدى وللضلال، وأن يدع مشيئتهم حرة في اختيار أي الطريقين؛ ومنحهم بعد ذلك العقل يرجحون به أحد الاتجاهين، بعد ما بث في الكون من آيات الهدى ما يلمس العين والأذن والحس والقلب والعقل حيثما اتجهت آناء الليل وأطراف النهار‏.‏‏.‏ ثم شاءت رحمة الله بعباده بعد هذا كله ألا يدعهم لهذا العقل وحده، فوضع لهذا العقل ميزاناً ثابتاً في شرائعه التي جاءت بها رسله، يثوب إليه العقل كلما غم عليه الأمر، ليتأكد من صواب تقديره أو خطئه عن طريق الميزان الثابت الذي لا تعصف به الأهواء‏.‏‏.‏ ولم يجعل الرسل جبارين يلوون أعناق الناس إلى الإيمان، ولكن مبلغين ليس عليهم إلا البلاغ، يأمرون بعبادة الله وحده واجتناب كل ما عداه من وثنية وهوى وشهوة وسلطان‏:‏

‏{‏ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت‏}‏‏.‏‏.‏

ففريق استجاب ‏{‏فمنهم من هدى الله‏}‏ وفريق شرد في طريق الضلال ‏{‏ومنهم من حقت عليه الضلالة‏}‏‏.‏‏.‏ وهذا الفريق وذلك كلاهما لم يخرج على مشيئة الله، وكلاهما لم يقسره الله قسراً على هدى أو ضلال، إنما سلك طريقه الذي شاءت إرادة الله أن تجعل إرادته حرة في سلوكه، بعد ما زودته بمعالم الطريق في نفسه وفي الآفاق‏.‏

كذلك ينفي القرآن الكريم بهذا النص وهم الإجبار الذي لوح به المشركون، والذي يستند إليه كثير من العصاة والمنحرفين‏.‏ والعقيدة الإسلامية عقيدة ناصعة واضحة في هذه النقطة‏.‏ فالله يأمر عباده بالخير وينهاهم عن الشر، ويعاقب المذنبين أحياناً في الدنيا عقوبات ظاهرة يتضح فيها غضبه عليهم‏.‏ فلا مجال بعد هذا لأن يقال‏:‏ إن إرادة الله تتدخل لترغمهم على الانحراف ثم يعاقبهم عليه الله‏!‏ إنما هم متروكون لاختيار طريقهم وهذه هي إرادة الله‏.‏ وكل ما يصدر عنهم من خير أو شر‏.‏ من هدى ومن ضلال‏.‏ يتم وفق مشيئة الله على هذا المعنى الذي فصلناه‏.‏

ومن ثم يعقب على هذا بخطاب إلى الرسول صلى الله عليه وسلم يقرر سنة الله في الهدى والضلال‏:‏

‏{‏إن تحرص على هداهم فإن الله لا يهدي من يضل وما لهم من ناصرين‏}‏‏.‏

فليس الهدى أو الضلال بحرص الرسول على هدى القوم أو عدم حرصه، فوظيفته البلاغ‏.‏ أما الهدى أو الضلال فيمضي وفق سنة الله وهذه السنة لا تتخلف ولا تتغير عواقبها، فمن أضله الله لأنه استحق الضلال وفق سنة الله، فإن الله لا يهديه، لأن لله سننا تعطي نتائجها‏.‏ وهكذا شاء‏.‏ والله فعال لما يشاء‏.‏ ‏{‏وما لهم من ناصرين‏}‏ ينصرونهم من دون الله‏.‏

ومقولة ثالثة من مقولات المنكرين المستكبرين‏:‏

‏{‏وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت‏.‏ بلى‏.‏ وعداً عليه حقاً، ولكن أكثر الناس لا يعلمون‏.‏ ليبين لهم الذي يختلفون فيه، وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين‏.‏ إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له‏:‏ كن‏.‏ فيكون‏}‏‏.‏‏.‏

ولقد كانت قضية البعث دائماً هي مشكلة العقيدة عند كثير من الأقوام منذ ان أرسل الله رسله للناس، يأمرونهم بالمعروف وينهونهم عن المنكر، ويخوفونهم حساب الله يوم البعث والحساب‏.‏

وهؤلاء المشركون من قريش أقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت‏!‏ فهم يقرون بوجود الله ولكنهم ينفون عنه بعث الموتى من القبور‏.‏ يرون هذا البعث أمراً عسيراً بعد الموت والبلى وتفرق الأشلاء والذرات‏!‏‏.‏

وغفلوا عن معجزة الحياة الأولى‏.‏‏.‏ وغفلوا عن طبيعة القدرة الإلهية، وأنها لا تقاس إلى تصورات البشر وطاقتهم‏.‏ وأن إيجاد شيء لا يكلف تلك القدرة شيئا؛ فيكفي أن تتوجه الإرادة إلى كون الشيء ليكون‏.‏

وغفلوا كذلك عن حكمة الله في البعث‏.‏ وهذه الدنيا لا يبلغ أمر فيها تمامه‏.‏ فالناس يختلفون حول الحق والباطل، والهدى والضلال، والخير والشر‏.‏ وقد لا يفصل بينهم فيما يختلفون فيه في هذه الأرض لأن إرادة الله شاءت أن يمتد ببعضهم الأجل، وألا يحل بهم عذابه الفاصل في هذه الديار‏.‏ حتى يتم الجزاء في الآخرة ويبلغ كل أمر تمامه هناك‏.‏

والسياق يرد على تلك المقولة الكافرة، ويكشف ما يحيط بها في نفوس القوم من شبهات فيبدأ بالتقرير‏:‏ ‏{‏بلى‏.‏ وعداً عليه حقاً‏}‏ ومتى وعد الله فقد كان ما وعد به لا يتخلف بحال من الأحوال ‏{‏ولكن أكثر الناس لا يعلمون‏}‏ حقيقة وعد الله‏.‏

وللأمر حكمته‏:‏ ‏{‏ليبين لهم الذي يختلفون فيه، وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين‏}‏ فيما ادعوا أنهم على الهدى؛ وفيما زعموا من كذب الرسل، ومن نفي الاخرة؛ وفيما كانوا فيه من اعتقاد ومن فساد‏.‏

والأمر بعد ذلك هين‏:‏ ‏{‏إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له‏:‏ كن‏.‏ فيكون‏}‏‏.‏‏.‏

والبعث شيء من هذه الأشياء يتم حالما تتوجه إليه الإرادة دون إبطاء‏.‏

وهنا يعرض في الجانب المقابل للمنكرين الجاحدين، لمحة عن المؤمنين المصدقين، الذين يحملهم يقينهم في الله والآخرة على هجر الديار والأموال، في الله، وفي سبيل الله‏:‏

‏{‏والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا لنبوئنهم في الدنيا حسنة، ولأجر الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون‏.‏

الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون‏}‏‏.‏‏.‏

فهؤلاء الذين هاجروا من ديارهم وأموالهم، وتعروا عما يملكون وعما يحبون، وضحوا بدارهم وقرب عشيرتهم والحبيب من ذكرياتهم‏.‏‏.‏ هؤلاء يرجون في الآخرة عوضا عن كل ما خلفوا وكل ما تركوا‏.‏ وقد عانوا الظلم وفارقوه‏.‏ فإذا كانوا قد خسروا الديار ف ‏{‏لنبوّئنهم في الدنيا حسنة‏}‏ ولنسكننهم خيرا مما فقدوا ‏{‏ولأجر الآخرة أكبر‏}‏ لو كان الناس يعلمون‏.‏ هؤلاء ‏{‏الذين صبروا‏}‏ واحتملوا ما احتملوا ‏{‏وعلى ربهم يتوكلون‏}‏ لا يشركون به أحدا في الاعتماد والتوجه والتكلان‏.‏

ثم يعود السياق إلى بيان وظيفة الرسل التي أشار عليها عند الرد على مقولة المشركين عن إرادة الله الشرك لهم ولآبائهم‏.‏ يعود إليها لبيان وظيفة الرسول الأخير صلوات الله وسلامه عليه وما معه من الذكر الأخير‏.‏ وذلك تمهيدا لإنذار المكذبين به ما يتهددهم من هذا التكذيب‏:‏

‏{‏وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً نوحي إليهم، فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون‏.‏ بالبينات والزبر، وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم، ولعلهم يتفكرون‏}‏‏.‏‏.‏

وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً‏.‏‏.‏ لم نرسل ملائكة، ولم نرسل خلقاً آخر‏.‏ رجالاً مختارين ‏{‏نوحي إليهم‏}‏ كما أوحينا إليك، ونكل إليهم التبليغ كما وكلنا إليك‏.‏ ‏{‏فاسألوا أهل الذكر‏}‏ أهل الكتاب الذين جاءتهم الرسل من قبل، أكانوا رجالا أم كانوا ملائكة أم خلقا آخر‏.‏ اسألوهم ‏{‏إن كنتم لا تعلمون‏}‏‏.‏ أرسلناهم بالبينات وبالكتب ‏(‏والزبر الكتب المتفرقة‏)‏ ‏{‏وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم‏}‏ سواء منهم السابقون أهل الكتاب الذين اختلفوا في كتابهم، فجاء القرآن ليفصل في هذا الخلاف، وليبين لهم وجه الحق فيه‏.‏ أو المعاصرون الذين جاءهم القرآن والرسول صلى الله عليه وسلم يبينه لهم ويشرحه بفعله وقوله ‏{‏ولعلهم يتفكرون‏}‏ في آيات الله وآيات القرآن فإنه يدعو دائماً إلى التفكر والتدبر، وإلى يقظة الفكر والشعور‏.‏

ويختم هذا الدرس الذي بدأه بالإشارة إلى الذين يستكبرون ويمكرون‏.‏‏.‏ ينتهي بلمسة وجدانية بعد لمسة‏:‏ أولاهما للتخويف من مكر الله الذي لا يأمنه أحد في ساعة من ليل أو نهار‏.‏ والثانية لمشاركة هذا الوجود في عبادة الله وتسبيحه‏.‏ فليس إلا الإنسان هو الذي يستكبر ويمكر‏.‏ وكل ما حوله يحمد ويسبح‏.‏

‏{‏أفأمن الذين مكروا السيئات أن يخسف الله بهم الأرض، أو يأتيهم العذاب من حيث لا يشعرون‏؟‏ أو يأخذهم في تقلبهم فما هم بمعجزين‏.‏ أو يأخذهم على تخوف‏.‏ فإن ربكم لرؤوف رحيم‏}‏‏.‏

‏{‏أو لم يروا إلى ما خلق الله من شيء يتفيأ ظلاله عن اليمين والشمائل سجداً لله وهم داخرون‏}‏‏؟‏

‏{‏ولله يسجد ما في السماوات وما في الأرض من دابة، والملائكة، وهم لا يستكبرون، يخافون ربهم من فوقهم، ويفعلون ما يؤمرون‏}‏‏.‏

وأعجب العجب في البشر أن يد الله تعمل من حولهم، وتأخذ بعضهم أخذ عزيز مقتدر، فلا يغني عنهم مكرهم وتدبيرهم‏.‏ ولا تدفع عنهم قوتهم وعلمهم ومالهم‏.‏‏.‏ وبعد ذلك يظل الذين يمكرون يمكرون، ويظل الناجون آمنين لا يتوقعون ان يؤخذوا كما أخذ من قبلهم ومن حولهم، ولا يخشون أن تمتد إليهم يد الله في صحوهم أو في منامهم، في غفلتهم أو في استيقاظهم والقرآن الكريم يلمس وجدانهم من هذا الجانب ليثير حساسيتهم للخطر المتوقع، الذي لا يغفل عنه إلا الخاسرون‏:‏

‏{‏أفأمن الذين مكروا السيئات أن يخسف الله بهم الأرض أو يأتيهم العذاب من حيث لا يشعرون‏}‏‏؟‏‏.‏

أو يأخذهم وهم يتقلبون في البلاد، من بلد إلى بلد للتجارة والسياحة، ‏{‏فما هم بمعجزين‏}‏ لله، ولا يبعد عليه مكانهم في حل أو ترحال‏.‏ ‏{‏أو يأخذهم على تخوف‏}‏ فإن يقظتهم وتوقعهم لا يرد يد الله عنهم فهو قادر على أخذهم وهم متأهبون قدرته على أخذهم وهم لا يشعرون‏؟‏ ولكن الله رؤوف رحيم‏.‏

أفأمن الذين مكروا السيئات أن يأخذهم الله‏؟‏ فهم لاجون في مكرهم سادرون في غيهم لا يثوبون ولا يتقون‏.‏

ذلك والكون من حولهم بنواميسه وظواهره يوحي بالايمان، ويوحي بالخشوع‏:‏ ‏{‏أو لم يروا إلى ما خلق الله من شيء يتفيأ ظلاله عن اليمين والشمائل سجداً لله وهم داخرون‏}‏‏.‏‏.‏

ومشهد الظلال تمتد وتتراجع، تثبت وتتمايل، مشهد موح لمن يفتح قلبه، ويوقظ حسه، ويتجاوب مع الكون حوله‏.‏

والسياق القرآني يعبر عن خضوع الأشياء لنواميس الله بالسجود وهو أقصى مظاهر الخضوع ويوجه إلى حركة الظلال المتفيئة أي الراجعة بعد امتداد وهي حركة لطيفة خفيفة ذات دبيب في المشاعر وئيد عميق‏.‏ ويرسم المخلوقات داخرة أي خاضعة خاشعة طائعة‏.‏ ويضم إليها ما في السماوات وما في الأرض من دابة‏.‏ ويضيف إلى الحشد الكوني‏.‏‏.‏ الملائكة فإذا مشهد عجيب من الأشياء والظلال والدواب‏.‏ ومعهم الملائكة‏.‏ في مقام خشوع وخضوع وعبادة وسجود‏.‏ لا يستكبرون عن عبادة الله ولا يخالفون عن أمره‏.‏ والمنكرون المستكبرون من بني الإنسان وحدهم شواذ في هذا المقام العجيب‏.‏

وبهذا المشهد يختم الدرس الذي بدأ بالإشارة إلى المنكرين المستكبرين، ليفردهم في النهاية بالإنكار والاستكبار في مشهد الوجود‏.‏‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏51- 76‏]‏

‏{‏وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ ‏(‏51‏)‏ وَلَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ ‏(‏52‏)‏ وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ ‏(‏53‏)‏ ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ ‏(‏54‏)‏ لِيَكْفُرُوا بِمَا آَتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ‏(‏55‏)‏ وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ تَاللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ ‏(‏56‏)‏ وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ ‏(‏57‏)‏ وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ ‏(‏58‏)‏ يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ‏(‏59‏)‏ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ‏(‏60‏)‏ وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ ‏(‏61‏)‏ وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ ‏(‏62‏)‏ تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ‏(‏63‏)‏ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ‏(‏64‏)‏ وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ ‏(‏65‏)‏ وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ ‏(‏66‏)‏ وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ‏(‏67‏)‏ وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ ‏(‏68‏)‏ ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ‏(‏69‏)‏ وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ ‏(‏70‏)‏ وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ ‏(‏71‏)‏ وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ ‏(‏72‏)‏ وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا وَلَا يَسْتَطِيعُونَ ‏(‏73‏)‏ فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ‏(‏74‏)‏ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ‏(‏75‏)‏ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَم لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ‏(‏76‏)‏‏}‏

هذا الشوط الثالث في قضية الألوهية الواحدة التي لا تتعدد، يبدأ فيقرر وحدة الإله، ووحدة المالك، ووحدة المنعم في الآيات الثلاث الأولى متواليات، ويختم بمثلين يضربهما للسيد المالك الرازق، والعبد المملوك لا يقدر على شيء، ولا يملك شيئاً‏.‏‏.‏ هل يستوون‏؟‏ فكيف يسوي الله المالك الرازق بمن لا يقدر ولا يملك ولا يرزق‏؟‏ فيقال‏:‏ هذا إله وهذا إله‏؟‏‏!‏‏.‏

وفي خلال الدرس يعرض نموذجا بشريا للناس حين يصيبهم الضر فيجأرون إلى الله وحده، حتى إذا كشف عنهم الضرر راحوا يشركون به غيره‏!‏‏.‏

ويعرض كذلك صورا من أوهام الوثنية وخرافاتها‏.‏ في تخصيص بعض ما رزقهم الله لآلهتهم المدعاة، في حين أنهم لا يردون شيئاً مما يملكون على عبيدهم ولا يقاسمونهم إياه‏!‏ وفي نسبة البنات إلى الله على حين يكرهون ولادة البنات لهم‏:‏ ‏{‏وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسوداً وهو كظيم‏}‏ ‏!‏ وفي الوقت الذي يجعلون لله ما يكرهون تروح ألسنتهم تتشدق بأن لهم الحسنى، وأنهم سينالون على ما فعلوا خيرا‏!‏ وهذه الأوهام التي ورثوها من المشركين قبلهم هي التي جاءهم الرسول صلى الله عليه وسلم ليبين لهم الحقيقة فيها هدى ورحمة للمؤمنين‏.‏

ثم يأخذ في عرض نماذج من صنع الألوهية الحقة في تأملها عظة وعبرة فالله وحده هو القادر عليها الموجد لها، وهي هي دلائل الألوهية لا سواها‏:‏ فالله أنزل من السماء ماء فأحيا به الأرض بعد موتها‏.‏ والله يسقي الناس غير الماء لبنا سائغا يخرج من بطون الأنعام من بين فرث ودم‏.‏ والله يطلع للناس ثمرات النخيل والأعناب يتخذون منها سكراً ورزقاً حسنا‏.‏ والله أوحى إلى النحل لتتخذ من الجبال بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون، ثم تخرج عسلا فيه شفاء للناس‏.‏‏.‏ ثم الله يخلق الناس ويتوفاهم ويؤجل بعضهم حتى يشيخ فينسى ما تعلمه ويرتد ساذجاً لا يعلم شيئا‏.‏ والله فضل بعضهم على بعض في الرزق‏.‏ والله جعل لهم من أنفسهم أزواجا وجعل لهم من أزواجهم بنين وحفدة‏.‏‏.‏‏.‏ وهم بعد هذا كله يعبدون من دون الله ما لا يملك لهم رزقاً في السماوات والأرض ولا يقدرون على شيء‏.‏ ويجعلون لله الأشباه والأمثال‏!‏‏.‏

هذه اللمسات كلها في أنفسهم وفيما حولهم، يوجههم إليها لعلهم يستشعرون القدرة وهي تعمل في ذواتهم وفي أرزاقهم وفي طعامهم وفي شرابهم، وفي كل شيء حولهم‏.‏‏.‏ ثم يختمها بالمثلين الواضحين اللذين أشرنا إليهما آنفا‏.‏ فهي حملة على الوجدان البشري والعقل البشري، ذات إيقاعات عميقة، تضرب على أوتار حساسة في النفس البشرية يصعب ألا تهتز لها وتتأثر وتستجيب‏.‏

‏{‏وقال الله‏:‏ لا تتخذوا إلهين اثنين، إنما هو إله واحد فإياي فارهبون‏.‏

وله ما في السماوات والأرض وله الدين واصبا‏.‏ أفغير الله تتقون‏.‏ وما بكم من نعمة فمن الله؛ ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون‏.‏ ثم إذا كشف الضر عنكم إذا فريق منكم بربهم يشركون، ليكفروا بما آتيناهم، فتمتعوا فسوف تعلمون‏}‏‏.‏‏.‏

لقد أمر الله الا يتخذ الناس إلهين اثنين‏.‏ إنما هو إله واحد لا ثاني له‏.‏ ويأخذ التعبير أسلوب التقرير والتكرير فيتبع كلمة إلهين بكلمة اثنين، ويتبع النهي بالقصر إنما هو إله واحد‏.‏ ويعقب على النهي والقصر بقصر آخر ‏{‏فإياي فارهبون‏}‏ دون سواي بلا شبيه أو نظير‏.‏ ويذكر الرهبة زيادة في التحذير‏.‏‏.‏ ذلك أنها القضية الأساسية في العقيدة كلها، لا تقوم إلا بها، ولا توجد إلا بوجودها في النفس واضحة كاملة دقيقة لا لبس فيها ولا غموض‏.‏

إنما هو إله واحد‏.‏‏.‏ وإنما هو كذلك مالك واحد‏:‏ ‏{‏وله ما في السماوات والأرض‏}‏‏.‏‏.‏ ودائن واحد ‏{‏وله الدين واصبا‏}‏ ‏(‏أي واصلاً منذ ما وجد الدين، فلا دين إلا دينه‏)‏ ومنعم واحد‏:‏ ‏{‏وما بكم من نعمة فمن الله‏}‏ وفطرتكم تلجأ إليه وحده ساعة العسرة والضيق، وتنتفي عنها أوهام الشرك والوثنية فلا تتوجه إلا إليه دون شريك‏:‏ ‏{‏ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون‏}‏ وتصرخون لينجيكم مما أنتم فيه‏.‏

وهكذا يتفرد سبحانه وتعالى بالألوهية والملك والدين والنعمة والتوجه؛ وتشهد فطرة البشر بهذا كله حين يصهرها الضر وينفض عنها أوشاب الشرك‏.‏‏.‏ ومع هذا فإن فريقا من البشر يشركون بالله بعد توحيده حالما ينجيهم من الضر المحيق‏!‏ فينتهوا إلى الكفر بنعمة الله عليهم، وبالهدى الذي آتاهم‏.‏‏.‏ فلينظروا إذن ما يصيبهم بعد المتاع القصير‏:‏ ‏{‏فتمتعوا فسوف تعلمون‏}‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏

هذا النموذج الذي يرسمه التعبير هنا ‏{‏ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون، ثم إذا كشف الضر عنكم إذا فريق منكم بربهم يشركون‏}‏‏.‏‏.‏ نموذج متكرر في البشرية‏.‏ ففي الضيق تتوجه القلوب إلى الله، لأنها تشعر بالفطرة ألا عاصم لها سواه‏.‏ وفي الفرج تتلهى بالنعمة والمتاع، فتضعف صلتها بالله، وتزيغ عنه ألوانا من الزيغ تبدو في الشرك به وتبدو في صور شتى من تأليه قيم وأوضاع ولو لم تدع باسم الإله‏.‏

ولقد يشتد انحراف الفطرة وفسادها، فإذا بعضهم في ساعة العسرة لا يلجأ إلى الله؛ ولكن يلجأ إلى بعض مخاليقه يدعوها للنصرة والإنقاذ والنجاة، بحجة أنها ذات جاه أو منزلة عند الله، أو بغير هذه الحجة في بعض الأحيان، كالذين يدعون الأولياء لإنقاذهم من مرض أو شدة أو كرب‏.‏‏.‏ فهؤلاء أشد انحرافا من مشركي الجاهلية الذين يرسم لهم القرآن ذلك النموذج الذي رأيناه‏!‏‏.‏

‏{‏ويجعلون لما لا يعلمون نصيباً مما رزقناهم‏}‏‏.‏ فإذا هم يحرمون على أنفسهم بعض الأنعام‏.‏ لا يركبونها أو لا يذوقون لحومها‏.‏ أو يبيحونها للذكور دون الإناث كما أسلفنا في سورة الأنعام باسم الآلهة المدعاة؛ التي لا يعلمون عنها شيئا، إنما هي أوهام موروثة من الجاهلية الأولى‏.‏

والله هو الذي رزقهم هذه النعمة التي يجعلون لما لا يعلمون نصيبا منها، فليست هي من رزق الآلهة المدعاة لهم ليردوها عليها، إنما هي من رزق الله، الذي يدعوهم إلى توحيده فيشركون به سواه‏!‏‏.‏

وهكذا تبدو المفارقة في تصورهم وفي تصرفهم على السواء‏.‏‏.‏ الرزق كله من الله‏.‏ والله يأمر ألا يعبد سواه فهم يخالفون عن أمره فيتخذون الآلهة‏.‏ وهم يأخذون من رزقه فيجعلونه لما نهاهم عنه‏!‏ وبهذا تتبدى المفارقة واضحة جاهرة عجيبة مستنكرة‏!‏‏.‏

وما يزال أناس بعد أن جاءت عقيدة التوحيد وتقررت، يجعلون نصيبا من رزق الله لهم موقوفاً على ما يشبه آلهة الجاهلية‏.‏ ما يزال بعضهم يطلق عجلا يسميه ‏{‏عجل السيد البدوي‏}‏ يأكل من حيث يشاء لا يمنعه أحد، ولا ينتفع به أحد، حتى يذبح على اسم السيد البدوي لا على اسم الله‏!‏ وما يزال بعضهم ينذرون للأولياء ذبائح يخرجونها من ذمتهم لا لله، ولا باسم الله، ولكن باسم ذلك الولي، على ما كان أهل الجاهلية يجعلون لما لا يعلمون نصيبا مما رزقنهم الله‏.‏ وهو حرام نذره على هذا الوجه‏.‏ حرام لحمه‏.‏ ولو سمي اسم الله عليه‏.‏ لأنه أهلّ لغير الله به‏!‏‏.‏

‏{‏تالله لتسألن عما كنتم تفترون‏}‏ بالقسم والتوكيد الشديد‏.‏ فهو افتراء يحطم العقيدة من أساسها لأنه يحطم فكرة التوحيد‏.‏

‏{‏ويجعلون لله البنات سبحانه ولهم ما يشتهون‏.‏ وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم‏.‏ يتوارى من القوم من سوء ما بشر به، أيمسكه على هون أم يدسه في التراب‏؟‏ ألا ساء ما يحكمون‏!‏‏}‏‏.‏‏.‏

إن الانحراف في العقيدة لا تقف آثاره عند حدود العقيدة، بل يتمشى في أوضاع الحياة الاجتماعية وتقاليدها‏.‏ فالعقيدة هي المحرك الأول للحياة، سواء ظهرت أو كمنت‏.‏ وهؤلاء عرب الجاهلية كانوا يزعمون أن لله بنات هن الملائكة على حين أنهم كانوا يكرهون لأنفسهم ولادة البنات‏!‏ فالبنات لله أما هم فيجعلون لأنفسهم ما يشتهون من الذكور‏!‏‏.‏

وانحرافهم عن العقيدة الصحيحة سول لهم وأد البنات أو الإبقاء عليهن في الذل والهوان من المعاملة السيئة والنظرة الوضيعة‏.‏ ذلك أنهم كانوا يخشون العار والفقر مع ولادة البنات‏.‏ إذ البنات لا يقاتلن ولا يكسبن؛ وقد يقعن في السبي عند الغارات فيجلبن العار، أو يعشن كلاًّ على أهليهن فيجلبن الفقر‏.‏

والعقيدة الصحيحة عصمة من هذا كله‏.‏ إذ الرزق بيد الله يرزق الجميع؛ ولا يصيب أحدا إلا ما كتب له؛ ثم إن الإنسان بجنسيه كريم على الله، والأنثى من حيث إنسانيتها صنو الرجل وشطر نفسه كما يقرر الإسلام‏.‏

ويرسم السياق صورة منكرة لعادات الجاهلية‏:‏ ‏{‏وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم‏}‏ مسودا من الهم والحزن والضيق، وهو كظيم، يكظم غيظه وغمه، كأنها بلية، والأنثى هبة الله له كالذكر، وما يملك أن يصور في الرحم أنثى ولا ذكرا، وما يملك أن ينفخ فيه حياة، وما يملك أن يجعل من النطفة الساذجة إنسانا سويا‏.‏

وإن مجرد تصور الحياة نامية متطورة من نطفة إلى بشر بإذن الله ليكفي لاستقبال المولود أيا كان جنسه بالفرح والترحيب وحسن الاستقبال، لمعجزة الله التي تتكرر، فلا يبلي جدتها التكرار‏!‏ فكيف يغتم من يبشر بالأنثى ويتوارى من القوم من سوء ما بشر به وهو لم يخلق ولم يصور‏.‏ إنما كان أداة القدرة في حدوث المعجزة الباهرة‏؟‏‏.‏

وحكمة الله، وقاعدة الحياة، اقتضت أن تنشأ الحياة من زوجين ذكر وأنثى‏.‏ فالأنثى أصيلة في نظام الحياة أصالة الذكر؛ بل ربما كانت أشد أصالة لأنها المستقر‏.‏ فكيف يغتم من يبشر بالأنثى، وكيف يتوارى من القوم من سوء ما بشر به ونظام الحياة لا يقوم إلا على وجود الزوجين دائما‏؟‏‏.‏

إنه انحراف العقيدة ينشئ آثاره في انحراف المجتمع وتصوراته وتقاليده‏.‏‏.‏ ‏{‏ألا ساء ما يحكمون‏}‏ وما أسوأه من حكم وتقدير‏.‏

وهكذا تبدو قيمة العقيدة الإسلامية في تصحيح التصورات والأوضاع الاجتماعية‏.‏ وتتجلى النظرة الكريمة القويمة التي بثها في النقوس والمجتمعات تجاه المرأة، بل تجاه الإنسان‏.‏ فما كانت المرأة هي المغبونة وحدها في المجتمع الجاهلي الوثني إنما كانت «الإنسانية» في أخص معانيها‏.‏ فالأنثى نفس إنسانية، إهانتها إهانة للعنصر الإنساني الكريم، ووأدها قتل للنفس البشرية، وإهدار لشطر الحياة؛ ومصادمة لحكمة الخلق الأصيلة، التي اقتضت أن يكون الأحياء جميعا لا الإنسان وحده من ذكر وانثى‏.‏

وكلما انحرفت المجتمعات عن العقيدة الصحيحة عادت تصورات الجاهلية تطل بقرونها‏.‏‏.‏ وفي كثير من المجتمعات اليوم تعود تلك التصورات إلى الظهور‏.‏ فالأنثى لا يرحب بمولدها كثير من الأوساط وكثير من الناس، ولا تعامل معاملة الذكر من العناية والاحترام‏.‏ وهذه وثنية جاهلية في إحدى صورها، نشأت من الانحراف الذي أصاب العقيدة الإسلامية‏.‏

ومن عجب أن ينعق الناعقون بلمز العقيدة الإسلامية والشريعة الإسلامية في مسألة المرأة، نتيجة لما يرونه في هذه المجتمعات المنحرفة ولا يكلف هؤلاء الناعقون اللامزون أنفسهم أن يراجعوا نظرة الإسلام، وما أحدثته من ثورة في التطورات والأوضاع‏.‏ وفي المشاعر والضمائر‏.‏ وهي بعد نظرة علوية لم تنشئها ضرورة واقعية ولا دعوة أرضية ولا مقتضيات اجتماعية أو اقتصادية‏.‏ إنما أنشأتها العقيدة الإلهية الصادرة عن الله الذي كرم الإنسان، فاستتبع تكريمه للجنس البشري تكريمه للأنثى، ووصفها بأنها شطر النفس البشرية، فلا تفاضل بين الشطرين الكريمين على الله‏.‏

والفارق بين طبيعة النظرة الجاهلية والنظرة الإسلامية، هو الفارق بين صفة الذين لا يؤمنون بالآخرة وصفة الله سبحانه ولله المثل الأعلى‏:‏

‏{‏للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء‏.‏ ولله المثل الأعلى‏.‏ وهو العزيز الحكيم‏}‏‏.‏‏.‏

وهنا تقترن قضية الشرك بقضية إنكار الآخرة، لأنهما ينبعان من معين وانحراف واحد‏.‏ ويختلطان في الضمير البشري، وينشئان آثارهما في النفس والحياة والمجتمع والأوضاع‏.‏ فإذا ضرب مثل للذين لا يؤمنون بالآخرة فهو مثل السوء‏.‏ السوء المطلق في كل شيء‏:‏ في الشعور والسلوك، في الاعتقاد والعمل‏.‏ في التصور والتعامل، في الأرض والسماء‏.‏‏.‏ ‏{‏ولله المثل الأعلى‏}‏ الذي لا يقارن ولا يوازن بينه وبين أحد، بله الذين لا يؤمنون بالآخرة هؤلاء‏.‏‏.‏ ‏{‏وهو العزيز الحكيم‏}‏ ذو المنعة وذو الحكمة الذي يتحكم ليضع كل شيء موضعه، ويحكم ليقر كل شيء في مكانه بالحق والحكمة والصواب‏.‏

وإنه لقادر أن يأخذ الناس بظلمهم الذي يقع منهم ولو فعل لدمرها عليهم تدميرا؛ ولكن حكمته اقتضت أن يؤخرهم إلى أجل‏.‏ وهو العزيز الحكيم‏:‏

‏{‏ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة، ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى، فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون‏}‏‏.‏‏.‏

والله خلق هذا الخلق البشري وأنعم عليه بآلائه‏.‏ وهو وحده الذي يفسد في الأرض ويظلم، وينحرف عن الله ويشرك؛ ويطغى بعضه على بعض، ويؤذي سواه من الخلق‏.‏‏.‏ والله بعد هذا كله يحلم عليه ويرأف به، ويمهله وإن كان لا يهمله‏.‏ فهي الحكمة تصاحب القوة، وهي الرحمة تصاحب العدل‏.‏ ولكن الناس يغترون بالإمهال، فلا تستشعر قلوبهم رحمة الله وحكمته، حتى يأخذهم عدله وقوته‏.‏ عند الأجل المسمى الذي ضربه الله لحكمة، وأمهلهم إليه لرحمة‏.‏ ‏{‏فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون‏}‏‏.‏

وأعجب ما في الأمر أن المشركين، يجعلون لله ما يكرهون من البنات وغير البنات، ثم يزعمون كاذبين أن سينالهم الخير والإحسان جزاء على ما يجعلون ويزعمون‏!‏ والقرآن يقرر ما ينتظرهم وهو غير ما يزعمون‏:‏

‏{‏ويجعلون لله ما يكرهون وتصف ألسنتهم الكذب أن لهم الحسنى‏.‏ لا جرم أن لهم النار وأنهم مفرطون‏}‏‏.‏

والتعبير يجعل ألسنتهم ذاتها كأنها الكذب ذاته، أو كأنها صورة له، تحكيه وتصفه بذاتها‏.‏ كما تقول قوامه يصف الرشاقة وعينه تصف الحور‏.‏ لأن ذلك القوام بذاته تعبير عن الرشاقة مفصح عنها، ولأن هذه العين بذاتها تعبير عن الحور مفصح عنه‏.‏ كذلك قال‏:‏ تصف ألسنتهم الكذب، فهي بذاتها تعبير عن الكذب مفصح عنه مصور له، لطول ما قالت الكذب وعبرت عنه حتى صارت رمزاً عليه ودلالة له‏!‏‏.‏

وقولهم‏:‏ أن لهم الحسنى، وهم يجعلون لله ما يكرهون هو ذلك الكذب الذي تصفه ألسنتهم أما الحقيقة التي يجبههم بها النص قبل أن تكمل الآية، فهي ان لهم النار دون شك ولا ريب، وعن استحقاق وجدارة‏:‏ ‏{‏لا جرم أن لهم النار‏}‏ وأنهم معجلون إليها غير مؤخرين عنها‏:‏ ‏{‏وأنهم مفرطون‏}‏ والفرط هو ما يسبق، والمفرط ما يقدم ليسبق فلا يؤجل‏.‏

وبعد فإن القوم ليسوا أول من انحرف، وليسوا أول من جدف، فقد كان قبلهم منحرفون ومجدفون، أغواهم الشيطان، وزين لهم ما انحرفوا إليه من تصورات وأعمال، فصار وليهم الذي يشرف عليهم ويصرفهم؛ وإنما أرسل الله رسوله صلى الله عليه وسلم ليستنقذهم، وليبين لهم الحق من الباطل، ويفصل فيما وقع بينهم من خلاف في عقائدهم وكتبهم؛ وليكون هدى ورحمة لمن يؤمنون‏.‏

‏{‏تالله لقد أرسلنا إلى أمم من قبلك، فزين لهم الشيطان أعمالهم، فهو وليهم اليوم، ولهم عذاب أليم‏.‏ وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه، وهدى ورحمة لقوم يؤمنون‏}‏‏.‏‏.‏

فوظيفة الكتاب الأخير والرسالة الأخيرة هي الفصل فيما شجر من خلاف بين أصحاب الكتب السابقة وطوائفهم‏.‏ إذ الأصل هو التوحيد، وكل ما طرأ على التوحيد من شبهات وكل ما شابه من شرك في صورة من الصور، ومن تشبيه وتمثيل‏.‏‏.‏ كله باطل جاء القرآن الكريم ليجلوه وينفيه‏.‏ وليكون هدى ورحمة لمن استعدت قلوبهم للإيمان وتفتحت لتلقيه‏.‏

وعند هذا الحد يأخذ السياق في استعراض آيات الألوهية الواحدة فيما خلق الله في الكون، وفيما أودع الإنسان من صفات واستعدادات، وفيما وهبه من نعم وآلاء، مما لا يقدر عليه أحد إلا الله‏.‏

وقد ذكر في الآية السابقة إنزال الكتاب وهو خير ما أنزل الله للناس وفيه حياة الروح فهو يتبعه بإنزال الماء من السماء، وفيه حياة الأجسام‏:‏

‏{‏والله أنزل من السماء ماء، فأحيا به الأرض بعد موتها‏.‏ إن في ذلك لآية لقوم يسمعون‏}‏‏.‏‏.‏

والماء حياة كل حي‏.‏ والنص يجعله حياة للأرض كلها على وجه الشمول لكل ما عليها ومن عليها‏.‏ والذي يحول الموت إلى حياة هو الذي يستحق أن يكون إلها‏:‏ ‏{‏إن في ذلك لآية لقوم يسمعون‏}‏ فيتدبرون ما يسمعون‏.‏ فهذه القضية‏.‏ قضية آيات الألوهية ودلائلها من الحياة بعد الموت ذكرها القرآن كثيرا ووجه الأنظار إليها كثيرا، ففيها آية لمن يسمع ويعقل ويتدبر ما يقال‏.‏

وعبرة أخرى في الأنعام تشير إلى عجيب صنع الخالق، وتدل على الألوهية بهذا الصنع العجيب‏:‏

‏{‏وإن لكم في الأنعام لعبرة، نسقيكم مما في بطونه- من بين فرث ودم- لبناً خالصاً سائغاً للشاربين‏}‏ فهذا اللبن الذي تدره ضروع الأنعام مم هو‏؟‏ إنه مستخلص من بين فرث ودم‏.‏ والفرث ما يتبقى في الكرش بعد الهضم، وامتصاص الأمعاء للعصارة التي تتحول إلى دم‏.‏ هذا الدم الذي يذهب إلى كل خلية في الجسم، فإذا صار إلى غدد اللبن في الضرع تحول إلى لبن ببديع صنع الله العجيب، الذي لا يدري أحد كيف يكون‏.‏

وعملية تحول الخلاصات الغذائية في الجسم إلى دم، وتغذية كل خلية بالمواد التي تحتاج إليها من مواد هذا الدم، عملية عجيبة فائقة العجب، وهي تتم في الجسم في كل ثانية، كما تتم عمليات الاحتراق‏.‏ وفي كل لحظة تتم في هذا الجهاز الغريب عمليات هدم وبناء مستمرة لا تكف حتى تفارق الروح الجسد‏.‏‏.‏ ولا يملك إنسان سوي الشعور أن يقف أمام هذه العمليات العجيبة لا تهتف كل ذرة فيه بتسبيح الخالق المبدع لهذا الجهاز الإنساني، الذي لا يقاس إليه أعقد جهاز من صنع البشر، ولا إلى خلية واحدة من خلاياه التي لا تحصى‏.‏

ووراء الوصف العام لعمليات الامتصاص والتحول والاحتراق تفصيلات تدير العقل، وعمل الخلية الواحدة في الجسم في هذه العملية عجب لا ينقضي التأمل فيه‏.‏

وقد بقي هذا كله سرا إلى عهد قريب‏.‏ وهذه الحقيقة العلمية التي يذكرها القرآن هنا عن خروج اللبن من بين فرث ودم لم تكن معروفة لبشر، وما كان بشر في ذلك العهد ليتصورها فضلا على أن يقررها بهذه الدقة العلمية الكاملة‏.‏ وما يملك إنسان يحترم عقله أن يماري في هذا أو يجادل‏.‏ ووجود حقيقة واحدة من نوع هذه الحقيقة يكفي وحده لإثبات الوحي من الله بهذا القرآن‏.‏ فالبشرية كلها كانت تجهل يومذاك هذه الحقيقة‏.‏

والقرآن يعبر هذه الحقائق العلمية البحته يحمل أدلة الوحي من الله في خصائصه الأخرى لمن يدرك هذه الخصائص ويقدرها؛ ولكن ورود حقيقة واحدة على هذا النحو الدقيق يفحم المجادلين المتعنتين‏.‏

‏{‏ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكراً ورزقاً حسناً‏.‏ إن في ذلك لآية لقوم يعقلون‏}‏‏.‏‏.‏

هذه الثمرات المنبثقة عن الحياة التي بثها الماء النازل من السماء‏.‏ تتخذون منه سكرا ‏(‏والسكر الخمر ولم تكن حرمت بعد‏)‏ ورزقاً حسناً‏.‏ والنص يلمح إلى أن الرزق الحسن غير الخمر وأن الخمر ليست رزقاً حسناً، وفي هذا توطئة لما جاء بعد من تحريمها، وإنما كان يصف الواقع في ذلك الوقت من اتخاذهم الخمر من ثمرات النخيل والأعناب، وليس فيه نص بحلها، بل فيه توطئه لتحريمها ‏{‏إن في ذلك لآية لقوم يعقلون‏}‏‏.‏‏.‏ فيدركون أن من يصنع هذا الرزق هو الذي يستحق العبودية له وهو الله‏.‏‏.‏

‏{‏وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتاً، ومن الشجر ومما يعرشون، ثم كلي من كل الثمرات فاسلكي سبل ربك ذللا، يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس‏.‏ إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون‏}‏‏.‏‏.‏

والنحل تعمل بإلهام من الفطرة التي أودعها إياها الخالق، فهو لون من الوحي تعمل بمقتضاه‏.‏

وهي تعمل بدقة عجيبة يعجز عن مثلها العقل المفكر سواء في بناء خلاياها، أو في تقسيم العمل بينها، أو في طريقة إفرازها للعسل المصفى‏.‏

وهي تتخذ بيوتها حسب فطرتها في الجبال والشجر وما يعرشون أي ما يرفعون من الكروم وغيرها وقد ذلل الله لها سبل الحياة بما أودع في فطرتها وفي طبيعة الكون حولها من توافق‏.‏ والنص على أن العسل فيه شفاء للناس قد شرحه بعض المختصين في الطب‏.‏ شرحاً فنياً‏.‏ وهو ثابت بمجرد نص القرآن عليه‏.‏ وهكذا يجب أن يعتقد المسلم استنادا إلى الحق الكلي الثابت في كتاب الله؛ كما أثر عن رسول الله‏.‏

روى البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري «أن رجلاً جاء إلى الرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ إن أخي استطلق بطنه، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم-‏:‏» اسقه عسلاً «فسقاه عسلاً‏.‏ ثم جاء فقال‏:‏ يا رسول الله سقيته عسلاً فما زاده إلا استطلاقاً‏.‏ قال‏:‏» اذهب فاسقه عسلاً «فذهب فسقاه عسلاً ثم جاء فقال‏:‏ يا رسول الله ما زاده ذلك إلا استطلاقاً‏.‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم-» صدق الله وكذب بطن أخيك اذهب فاسقه عسلاً «فذهب فسقاه عسلاً فبرئ»‏.‏

ويروعنا في هذا الأثر يقين الرسول صلى الله عليه وسلم أمام ما بدا واقعاً عملياً من استطلاق بطن الرجل كلما سقاه أخوه‏.‏ وقد انتهى هذا اليقين بتصديق الواقع له في النهاية‏.‏ وهكذا يجب أن يكون يقين المسلم بكل قضية وبكل حقيقة وردت في كتاب الله‏.‏ مهما بدا في ظاهر الأمر ما يسمى الواقع يخالفها‏.‏ فهي أصدق من ذلك الواقع الظاهري، الذي ينثني في النهاية ليصدقها‏.‏‏.‏

ونقف هنا أمام ظاهرة التناسق في عرض هذه النعم‏:‏ إنزال الماء من السماء‏.‏ وإخراج اللبن من بين فرث ودم‏.‏ واستخراج السكر والرزق الحسن من ثمرات النخيل والأعناب‏.‏ والعسل من بطون النحل‏.‏‏.‏ إنها كلها أشربه تخرج من أجسام مخالفة لها في شكلها‏.‏ ولما كان الجو جو أشربة فقد عرض من الأنعام لبنها وحده في هذا المجال تنسيقاً لمفردات المشهد كله‏.‏ وسنرى في الدرس التالي أنه عرض من الأنعام جلودها وأصوافها وأوبارها لأن الجو هناك كان جو أكنان وبيوت وسرابيل فناسب أن يعرض من الأنعام جانبها الذي يتناسق مع مفردات المشهد‏.‏‏.‏‏.‏ وذلك أفق من آفاق التناسق الفني في القرآن‏.‏

ومن الأنعام والأشجار والثمار والعسل إلى لمسة أقرب إلى أعماق النفس البشرية، لأنها في صميم ذواتهم‏:‏ في أعمارهم وأرزاقهم وأزواجهم وبنيهم وأحفادهم‏.‏ فهم أشد حساسية بها، وأعمق تأثراً واستجابة لها‏:‏

‏{‏والله خلقكم ثم يتوفاكم، ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكي لا يعلم بعد علم شيئاً، إن الله عليم قدير‏}‏‏.‏

‏{‏والله فضل بعضكم على بعض في الرزق، فما الذين فضلوا برادي رزقهم على ما ملكت أيمانهم فهم فيه سواء‏.‏ أفبنعمة الله يجحدون‏}‏‏؟‏

‏{‏والله جعل لكم من أنفسكم أزواجاً، وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة، ورزقكم من الطيبات أفبالباطل يؤمنون وبنعمة الله هم يكفرون‏؟‏ ويعبدون من دون الله ما لا يملك لهم رزقاً من السماوات والأرض شيئاً ولا يستطيعون‏؟‏‏}‏‏.‏‏.‏

واللسمة الأولى في الحياة والوفاة، وهي متصلة بكل فرد وبكل نفس؛ والحياة حبيبة، والتفكر في أمرها قد يرد القلب الصلد إلى شيء من اللين، وإلى شيء من الحساسية بيد الله ونعمته وقدرته‏.‏ والخوف عليها قد يستجيش وجدان التقوى والحذر والالتجاء إلى واهب الحياة‏.‏ وصورة الشيخوخة حين يرد الإنسان إلى أرذل العمر، فينسى ما كان قد تعلم، ويرتد إلى مثل الطفولة من العجز والنسيان والسذاجة‏.‏ هذه الصورة قد ترد النفس إلى شيء من التأمل في أطوار الحياة، وقد تغض من كبرياء المرء واعتزازه بقوته وعلمه ومقدرته‏.‏ ويجيء التعقيب‏:‏ ‏{‏إن الله عليم قدير‏}‏ ليرد النفس إلى هذه الحقيقة الكبيرة‏.‏ أن العلم الشامل الأزلي الدائم لله، وأن القدرة الكاملة التي لا تتأثر بالزمن هي قدرة الله‏.‏ وأن علم الإنسان إلى حين، وقدرته إلى أجل، وهما بعد جزئيان ناقصان محدودان‏.‏

واللمسة الثانية في الرزق‏.‏ والتفاوت فيه ملحوظ‏.‏ والنص يرد هذا التفاوت إلى تفضيل الله لبعضهم على بعض في الرزق‏.‏ ولهذا التفضيل في الرزق أسبابه الخاضعة لسنة الله‏.‏ فليس شيء من ذلك جزافاً ولا عبثاً‏.‏ وقد يكون الإنسان مفكراً عالماً عاقلاً، ولكن موهبته في الحصول على الرزق وتنميته محدودة، لأن له مواهب في ميادين أخرى‏.‏ وقد يبدو غبياً جاهلاً ساذجاً، ولكن له موهبة في الحصول على المال وتنميته‏.‏

والناس مواهب وطاقات‏.‏ فيحسب من لا يدقق أن لا علاقة للرزق بالمقدرة، وإنما هي مقدرة خاصة في جانب من جوانب الحياة‏.‏ وقد تكون بسطة الرزق ابتلاء من الله، كما يكون التضييق فيه لحكمة يريدها ويحققها بالابتلاء‏.‏‏.‏ وعلى أية حال فإن التفاوت في الرزق ظاهرة ملحوظة تابعة لاختلاف في المواهب وذلك حين تمتنع الأسباب المصطنعة الظالمة التي توجد في المجتمعات المختلة والنص يشير إلى هذه الظاهرة التي كانت واقعة في المجتمع العربي؛ ويستخدمها في تصحيح بعض أوهام الجاهلية الوثنية التي يزاولونها، والتي سبقت الإشارة إليها‏.‏ ذلك حين كانوا يعزلون جزءاً من رزق الله الذي أعطاهم ويجعلونه لآلهتهم المدعاة‏.‏ فهو يقول عنهم هنا‏:‏ إنهم لا يردون جزءاً من أموالهم على ما ملكت أيمانهم من الرقيق‏.‏ ‏(‏وكان هذا أمراً واقعاً قبل الإسلام‏)‏ ليصبحوا سواء في الرزق‏.‏ فما بالهم يردون جزءاً من مال الله الذي رزقهم إياه على آلهتهم المدعاة‏؟‏ ‏{‏أفبنعمة الله يجحدون‏؟‏‏}‏ فيجازون النعمة بالشرك، بدل الشكر للمنعم المتفضل الوهاب‏؟‏

واللمسة الثالثة في الأنفس والأزواج والأبناء والأحفاد وتبدأ بتقرير الصلة بين الجنسين‏:‏ ‏{‏جعل لكم من أنفسكم أزواجاً‏}‏ فهن من أنفسكم، شطر منكم، لا جنس أحط يتوارى من يبشر به ويحزن‏!‏ ‏{‏وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة‏}‏ والإنسان الفاني يحس الامتداد في الأبناء والحفدة، ولمس هذا الجانب في النفس يثير أشد الحساسية‏.‏

‏.‏ ويضم إلى هبة الأبناء والأحفاد هبة الطيبات من الرزق للمشاكلة بين الرزقين ليعقب عليها بسؤال استنكاري‏:‏ ‏{‏أفبالباطل يؤمنون وبنعمة الله هم يكفرون‏؟‏‏}‏ فيشركون به ويخالفون عن أمره‏.‏ وهذه النعم كلها من عطائه‏.‏ وهي آيات على ألوهيته وهي واقعة في حياتهم، تلابسهم في كل آن‏.‏‏.‏

أفبالباطل يؤمنون‏؟‏ وما عدا الله باطل، وهذه الآلهة المدعاة، والأوهام المدعاة كلها باطل لا وجود له، ولا حق فيه‏.‏ وبنعمة الله هم يكفرون، وهي حق يلمسونه ويحسونه ويتمتعون به ثم يجحدونه

‏{‏ويعبدون من دون الله ما لا يملك لهم رزقاً من السماوات والأرض شيئاً ولا يستطيعون‏}‏‏.‏‏.‏

وإنه لعجيب أن تنحرف الفطرة إلى هذا الحد، فيتجه الناس بالعبادة إلى ما لا يملك لهم رزقاً وما هو بقادر في يوم من الأيام، ولا في حال من الأحوال‏.‏ ويدعون الله الخالق الرازق، وآلاؤه بين أيديهم لا يملكون إنكارها، ثم يجعلون لله الأشباه والأمثال‏!‏

‏{‏فلا تضربوا لله الأمثال‏.‏ إن الله يعلم وأنتم لا تعلمون‏}‏‏.‏‏.‏

إنه ليس لله مثال، حتى تضربوا له الأمثال‏.‏

ثم يضرب لهم مثلين للسيد المالك الرازق وللمملوك العاجز الذي لا يملك ولا يكسب‏.‏ لتقريب الحقيقة الكبرى التي غفلوا عنها‏.‏ حقيقة أن ليس لله مثال، وما يجوز أن يسووا في العبادة بين الله وأحد من خلقه وكلهم لهم عبيد‏:‏

‏{‏ضرب الله مثلاً عبداً مملوكاً لا يقدر على شيء، ومن رزقناه منا رزقاً حسناً فهو ينفق منه سراً وجهراً‏.‏ هل يستوون‏؟‏ الحمد لله‏.‏ بل أكثرهم لا يعلمون‏}‏‏.‏

‏{‏وضرب الله مثلاً رجلين‏:‏ أحدهما أبكم لا يقدر على شيء وهو كلٌ على مولاه أينما يوجهه لا يأت بخير‏.‏ هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم‏؟‏‏}‏

والمثل الأول مأخوذ من واقعهم، فقد كان لهم عبيد مملوكون، لا يمكلون شيئاً ولا يقدرون على شيء‏.‏ وهم لا يسوون بين العبد المملوك العاجز والسيد المالك المتصرف‏.‏ فكيف يسوون بين سيد العباد ومالكهم وبين أحد أو شيء مما خلق‏.‏ وكل مخلوقاته له عبيد‏؟‏

والمثل الثاني يصور الرجل الأبكم الضعيف البليد الذي لا يدري ولا يعود بخير‏.‏ والرجل القوي المتكلم الآمر بالعدل، العامل المستقيم على طريق الخير‏.‏‏.‏ ولا يسوي عاقل بين هذا وذاك‏.‏ فكيف تمكن التسوية بين صنم أو حجر، وبين الله سبحانه وهو القادر العليم الآمر بالمعروف، الهادي إلى الصراط المستقيم‏؟‏

وبهذين المثلين يختم الشوط الذي بدأ بأمر الله للناس ألا يتخذوا إلهين اثنين، وختم بالتعجيب من أمر قوم يتخذون إلهين اثنين‏!‏